زهر الليمون رائحته الزكية تنعش الصدور ومساحته تضيق امام العمران… والإهمال

زهر الليمون تراث القلمون وصناعة وطنية تهددها المنافسة الخارجية

أريج زهر الليمون يمتد الى أنحاء الفيحاء. لا يخفى على المتوجّه شمالاً بسيارته نحو طرابلس إنه بات على بعد كيلومترات عدة منها، وبالذات على مشارف القلمون، لأن عبير زهر الليمون سيستقبله قبل اطلالته على هذه البلدة الوادعة.

سرعان ما تنتشي العيون بمرأى بساط أبيض من زهر الليمون، تطل عليه من الأوتوستراد المار بجوار البلدة، مثل ما ينتعش صدرك بهذه الرائحة الزكية التي تختص بها القلمون على طول الساحل اللبناني من بيروت الى عكار، وقد تميزت بها أيضاً طرابلس “الفيحاء” قبل عقود عدة، ولكن هجوم الباطون المسلح الذي جرف المئات إن لم نقل الآلاف من أشجار الليمون والزفير، اطاح بأهم مميزات عاصمة الشمال، وانتقل الأريج إلى القلمون احدى مدن انحاء الفيحاء.

صناعات حرفية
القلمون، الرابضة على شاطىء البحر ما زالت حريصة حتى الآن – قدر الإمكان – على حماية تراثها الزراعي الحرفي، منذ أن أكد إمام البلدة قبل نحو قرن، العلاّمة الشيخ رشيد رضا، في مذكراته اهمية هذا المنتج الذي تفتخر به القلمون “بهجة للنفس شمّاً ونظراً ودواء، وتجارة، وحرفة”.
كل من يمر في محاذاة هذه البلدة يدرك كم ظلمها هذا الاوتوسراد، إلا ان الراغب في زيارتها لن تعوقه الحواجز ولا الانعطافات الكثيرة، وسيحرص على ارتيادها لابتياع ما شاء من هدايا النحاسيات والصابون والزيت الفاخر، وقبل ذلك كله المربيات الشهيرة، مربى الزهر بلونه الأحمر الزاهي الذي يضاف فوق صحن الحلويات.
وليست هذه الصناعات الحرفية بأقل شأناً من صناعة ماء الزهر وماء الورد، التي تنتشر في البيوت كما في المصانع، تراثاً منذ أكثر من قرن ومصدر رزق لمعظم العائلات القلمونية التي تكافح من اجل تعليم ابنائها وهي ميزة اشتهرت به هذه البلدة. وتعتمد القلمون على ما تبقى من سهولها، قبل تقدم العمران إليها حيث تعمد بلديتها وجمعياتها الى الدعوة لغرس المزيد من اشجار الليمون والزفير من اجل امداد المصانع والمنازل بحاجتها لإنتاج ماء الزهر، والأمر عينه مع زراعة الورد لانتاج ماء الورد الأصلي.
فوائد
تستهلك القلمون عشرات الاطنان من هذه الزهرة الفواحة، كانت في معظمها من انتاج شجيراتها المترامية، إلا انه، بعد اقتلاع نسبة لا بأس بها لصالح الشقق السكنية، وبسبب ازدياد الطلب على هذه السلعة، أصبحت القلمون تعتمد على مصادرها من البلدات المجاورة في الكورة، او عكار، أو من مغدوشة في الجنوب وغيرها. وتعلم ربات المنازل ان لهذه الزهرة فوائد جمة، غير استعمال مائها في صناعة الحلويات الشرقية، وإنما أيضاً لمعالجة التخمة وآلام البطن، كما يضاف منها القليل على قناني الحليب للاطفال الرضع، ويزيد في انتعاش الماء البارد، وطعم القهوة، وهو يستخدم ايضاً لرشه على رؤوس “الزعماء” والمرشحين اثناء مرورهم في الاحياء الشعبية.
ان انتاج لبنان من ماء الزهر والورد ومربى الزهر يسد حاجة السوق المحلية، وتصدّر منه كميات الى الاسواق الخليجية والاوروبية والأوسترالية، ويشكل مورداً لمئات العائلات اللبنانية.
وتتميز بلدة القلمون باعتمادها الصناعة الحرفية المنزلية، فضلاً عن مصانع خاصة لآل طوط وقبيطر والأبيض وغيرهم، ويعلم المتذوق مقدار جودة الانتاج الذي يضاهي ما يستورد منه، فضلاً عن أن اسعارها في متناول اليد. إلا ان عمليات استيراد ما يسمى “ماء الزهر” تشهد منافسة غير جدية لأن الماء الاصلي والمفيد ليس مستورداً، مع العلم أن بعض التجار يستوردون عبوات ضخمة يضاف اليها “إسانس” أي بضع نقاط من ماء الزهر او الورد القلموني لتفوح نفس الرائحة من القناني المعبأة، إلا ان الخبير يكشف الأمر فوراً. وهذه القناني التي تباع باسعار ضئيلة لا تمت الى الزهر او الورد بصلة، وغالباً ما تكون غير مطابقة للمعايير الصحية، “ولكن الجيل الجديد من النساء ليس عنده خبرة” كما يؤكد احد اصحاب مصانع ماء الزهر في القلمون الحاج عصام طوط.
ويضيف “ان هذه المنافسة الخارجية قد تلحق الضرر بصناعتنا الوطنية، ونأمل من الدولة أن تعمل على تشجيع هذه الصناعة المهمة للعديد من المدن والبلدات اللبنانية، وان تساعدنا على تنميتها، وذلك بتأمين القروض اللازمة لأصحاب هذه الحرفة حتى يضاعفوا من انتاجهم كماً ونوعاً، وان نحد من استيراد هذه السلع من الخارج محافظة على صناعتنا الوطنية”.
زهر الليمون مادة اولية لإحدى أهم الصناعات المنزلية والحرفية، تنبغي حمايتها، والتأمل في مصير اشجارها نحراً وقطعاً، فضلاً عن تساقط اوراق الزهر في المنشية في طرابلس وبساتين البلدية، يدعو الى التساؤل عن سبب عدم حماية هذه الشجرة الطيبة بثمرها وزهرها.