السؤال:

شيخنا الفاضل ما هو حكم خبر الآحاد في العقيدة ؟ و ما حكم رادها إذا كان الجواب بأنها تفيد العلم حتى في العقيدة ؟

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد:

الأخ الكريم السائل عن حكم خبر الآحاد.

حتى يعلم القارئ ما معنى أحاديث الآحاد لابد من إعطاء تعريف سريع عنها حسب ما ذكرته كتب مصطلح الحديث، فقد عرفه الدكتور الطحان في كتابه “تيسير مصطلح الحديث” بأنه:

لغة: الآحاد جمع أحد بمعنى الواحد، وخبر الواحد هو ما يرويه شخص واحد.

إصطلاحا: هو ما لم يجمع شروط المتواتر.

وله أقسام: منه المشهور، والعزيز، والغريب.

1- المشهور: ما رواه ثلاثة فأكثر في كل طبقة ما لم يبلغ حد التواتر.
مثاله قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يقبض العلم ينتزعه انتزاعا … إلخ) أخرجه البخاري ومسلم.

2- العزيز: أن لا يقل رواته عن اثنين في جميع طبقات السند.
مثاله: ما رواه مسلم من حديث انس، والبخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (لا يؤمن احدكم حتى أكون احب اليه من والده وولده والناس أجمعين)

3- الغريب: هو ما ينفرد بروايته راو واحد.
ومثاله: الحديث الذي رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوى … إلخ) أخرجه الشيخان وتفرد به عمر رضي الله عنه
والحديث الذي رواه مالك عن الزهري عن أنس رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعلى رأسه المغفر) أخرجه الشيخان وتفرد به مالك عن الزهري.

حكمه: ينقسم الآحاد إلى قسمين:

أ- مقبول: وهو ما ترجح صدق المخبر به، وحكمه: وجوب الإحتجاج به والعمل به.

ب- مردود: وهو ما لم يترجح فيه صدق المخبر به، وحكمه أنه لا يحتج به ولا يجب العمل به.

أقوال أهل العلم: الذين اعترضوا على أحاديث الآحاد بشكل عام قالوا بأنها ظنية الثبوت ليست قطعية الدلالة ولا تفيد اليقين. ولم ينظروا إلى أهمية رواتها من العدل والضبط.

وقد استدل سلف الأمة على لزوم العمل بما رواه العدل بقوله تعالى: (فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (122) التوبة
وقوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (43) النحل

وأهل الذكر يشمل الواحد والمتعدد، ولولا أن أخبارهم تقوم بها الحجة لما كان لسؤالهم فائدة.

وكان عليه الصلاة والسلام يبعث الآحاد من الصحابة إلى الأماكن القريبة منها والبعيدة، ويحملهم أمور الدعوة، وتعليم الناس أحكام الإسلام وشرائعه، كما أجاز لهم الفتوى وفض النزاعات والفصل في الحقوق؛ فأرسل معاذا رضي الله عنه إلى أهل اليمن ليعلمهم الإسلام، وأرسل أبوعبيدة رضي الله عنه إلى أهل نجران، وقال: (لأبعثن إليكم رجلا أمينا) أخرجه البخاري ومسلم.

وأرسل رسله إلى الملوك والقياصرة؛ فأرسل دحية إلى هرقل، وعبد الله بن حذافة إلى كسرى.

والصحابة رضي الله عنهم قبلوا خبر الواحد، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه قال: (بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه قرآن وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة) رواه البخاري.

وعندما قدم عمر رضي الله عنه إلى بلاد الشام ووقع فيها وباء الطاعون سأل عمر رضي الله عنه الصحابة: هل منكم من سمع شيئا من رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الوباء فقام عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وقال: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا سمعتم به ببلدة فلا تقدموا عليه) متفق عليه. فرجع عمر رضي الله عنه بمن معه.

أدلة منكري خبر الآحاد:

استدلوا بقصة أبو موسى الأشعري رضي الله عنه عندما استأذن على عمر رضي الله عنه ثلاثا فلم يؤذن له، فرجع، فلاحقه عمر رضي الله عنه وسأله: ما حملك على ما صنعت، فقال: إنا كنا نؤمر بهذا، فقال عمر لتقيمن على هذا بينة، فخرج الى مجلس الأنصار فشهد له بذلك أبو سعيد الخدري رضي الله عنه. وقد روى الشيخان هذه الحادثة.

ولا يظن ظان أن عمر رضي الله عنه رفض كلام أبو موسى الأشعري رضي الله عنه لريبة فيه، وإنما أراد التثبت من شيء لم يسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنه كان كثيرا ما يلازمه، فأراد مزيدا من التأكيد؛ فطلب شاهدا آخر.

ولو أن الحادثة تكررت مع نفس الصحابي وذكر حديثا آخر لم يسمعه عمر رضي الله عنه فهل كان سيطلب شاهدا آخر؟ الغالب أنه لم يفعل ذلك بعدما تأكد من دقة ضبط أبي موسى رضي الله عنه.

أما ما نُقل عن الأحناف وبعض المالكية بعدم الأخذ بأحاديث الآحاد فلا دليل ثابت يدل على هذا القول بل هم ممن قالوا بالأخذ بخبر الواحد العدل وانه موجب للعمل به. واليك بعض اقوالهم:

من الأئمة الأحناف:
الإمام شمس الدين السرخسي، في كتابه (أصول الفقه الحنفيه)
والإمام علاء الدين البخاري في شرحه (كشف الأسرار)
والإمام علاء الدين السمرقندي في كتابه (بذل النظر)
قالوا: إن خبر الواحد العدل موجب العمل به.

من المالكية:
الإمام ابن القصار في كتابه (المقدمة في الأصول)
الإمام الباجي في كتابه (الإشارة في أصول الفقه)
الإمام القرافي في كتابه (تنقيح الفصول)
قالوا: بأن خبر الواحد العدل يوجب العمل به.
قال القاضي أبوبكر العربي: من المالكية في كتابه “المحصول في أصول الفقه”: (خبر الواحد يوجب العمل به فإنا قد علمنا قطعا ارسال رسول الله صلى الله عليه وسلم عماله وولاته الى الأقطار بالأحكام والأعمال آحادا إلى جماعة).
وقال القرافي: (خبر الواحد العدل هو عند مالك رحمه الله وعند أصحابه حجة).

قال الإمام الشافعي رحمه الله في “الرسالة”: (ومحدثي الناس وأعلامهم بالأمصار كلها يحفظ عنهم تثبيت خبر الواحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والإنتهاء اليه والإفتاء به)

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فيما نقله عنه ابن القيم في كتابه “مختصر الصواعق”: (وأما القسم الثاني من الأخبار فهو ما لا يرويه إلا الواحد العدل ونحوه ولم يتواتر لفظه ولا معناه، لكن تلقته الأمة بالقبول، عملا به وتصديقا له، فهذا يفيد العلم اليقيني عند جماهير أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الأولين والآخرين).

حكم منكر خبر الآحاد: أما حكم من قال بأنه ليس بحجه، فقال العلماء: إن خالفه لأن ثبوته عنده ليس بقطعي وان عدم الأخذ به لا لأنه قول رسول الله وإنما لعدم الوثوق بالرواه فمثل هذا لا يكفر، أما من خالفه مع اعتقاد صحته لرسول الله وبدون تأويل له فخلافه حينئذ يكون كفرا. والله أعلم

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.