السؤال:

 

في قوله تعالى: (ومن شر حاسد إذا حسد)

ما هو الحسد وما هو شر الحاسد؟ هل المقصود به أن شر الحاسد شر مادي أم معنوي؟

وهل هناك ما في السنة ما يوضح ذلك؟

وما هو الرابط بين الحسد و ‘صيبة العين’ وما يتناقله الناس من أن ‘العين حق’؟

 

الجواب:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الأخ الكريم السائل عن الحسد وصيبة العين والربط بينهما:

قال أهل العلم: إنّ الحسد هو تمني زوال النعمة عن مستحقها، سواء كانت نعمة دين أو نعمة دنيا.

والمؤمن يَغبِط، والمنافق يَحسِد، والحسد مرض خطير يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، كما جاء في الحديث: ((إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ، فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ، كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ)) [حسَّنه العراقي].

ولا تعجب إذا علمت أنّ أول ذنب عصي الله به في السماء هو حسد إبليس لآدم عليه السلام حتى أخرجه من الجنة، وفي الأرض حسد قابيل أخاه هابيل فقتله؛ لذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما: الحسد أخبث الطبائع.

أما قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود رضي الله عنه: ((لاَ حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً، فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا)) [رواه البخاري].

قال أهل العلم: إنّ هذا يسمى غبطة، وأطلق عليه حسد من باب المجاز؛ فالحسد كما عرّفناه أنه تمني زوال النعمة عن المحسود، أما الغبطة فهي تمني حصوله على مثل النعمة التي عند المُنعَم عليه من غير أن تزول عنه.

أمّا سؤالك عن العين وعما يتناقله الناس أن العين حق: فالعين حق، ليس قولَ الناس، إنما هو قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا)) [رواه مسلم].

والعين شبّهت بسهام تخرج من نفس الحاسد والعائن نحو المحسود أوالمعين، تصيبه تارة وتخطئه تارة أخرى.

يقول ابن القيم: العائن والحاسد يشتركان في شيء ويفترقان في شيء، فيشتركان في أن كل واحد منهما تتكيف نفسه وتتوجه نحو من يريد أذاه؛ فالعائن تتكيف نفسه عند مقابلة المعين ومعاينته، والحاسد يحصل له ذلك عند حضور المحسود وعند غيبته، ويفترقان في أن العائن قد يصيب من لا يحسده أحياناً من جماد أو حيوان أو زرع أو مال، وإن كان لا ينفك عن حسد صاحبه. ا.هـ.

ويقول بعض أهل العلم: بأن نفس العائن لا يتوقف تأثيرها على الرؤية فقط، بل قد يكون العائن أعمى، فيوصف له الشيء فتؤثر نفسه فيه وإن لم يره.

روى أبو نعيم في “الحلية” عن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((العين تُدخل الرجل القبر، وتُدخل الجمل القدر)) حسنه الألباني.

أي أنها تصيب الرجل فتقتله فيدفن في القبر، وتصيب الجمل، فيشرف على الموت فيذبح ويطبخ في القدر.

وحقيقة العين كما ذكر القسطلاني: هي نظر المعيان لشيء باستحسان مشوب بحسد، فيحصل للمنظور ضرر بعادة أجراها الله تعالى. ا.هـ.

وقصة سهل بن حنيف رضي الله عنه توضح كيفية الإصابة بالعين.

عن سهل بن حنيف أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ، وَسَارُوا مَعَهُ نَحْوَ مَكَّةَ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِشِعْبِ الْخَزَّارِ مِنَ الْجُحْفَةِ، اغْتَسَلَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَكَانَ رَجُلًا أَبْيَضَ، حَسَنَ الْجِسْمِ، وَالْجِلْدِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ أَخُو بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ وَهُوَ يَغْتَسِلُ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ، وَلَا جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ فَلُبِطَ بِسَهْلٌ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ لَكَ فِي سَهْلٍ؟ وَاللهِ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، وَمَا يُفِيقُ، قَالَ: ((هَلْ تَتَّهِمُونَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ؟)) قَالُوا: نَظَرَ إِلَيْهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ فَدَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامِرًا، فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ وَقَالَ: ((عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟ هَلَّا إِذَا رَأَيْتَ مَا يُعْجِبُكَ بَرَّكْتَ؟)) ثُمَّ قَالَ لَهُ: ((اغْتَسِلْ لَهُ)) فَغَسَلَ وَجْهَهُ، وَيَدَيْهِ، وَمِرْفَقَيْهِ، وَرُكْبَتَيْهِ، وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ، وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ فِي قَدَحٍ، ثُمَّ صُبَّ ذَلِكَ الْمَاءُ عَلَيْهِ، يَصُبُّهُ رَجُلٌ عَلَى رَأْسِهِ، وَظَهْرِهِ مِنْ خَلْفِهِ، يُكْفِئُ الْقَدَحَ وَرَاءَهُ، فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ، فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ النَّاسِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ. [رواه الإمام أحمد. وصححه الألباني].

شرح بعض المفردات:

(جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ) : الفتاة الجميلة التي لم تَرَ الشمس إلا قليلا.

(فَلُبِطَ) خرَّ صريعاً.

(فتغيظ عليه) : أظهر له عدم رضاه عما فعل.

(فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ النَّاسِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ) : أي قد شفاه الله مما أصابه، وقام صحيحا سليما وكأن شيئا لم يكن بعد أن كان صريعاً لا حراك له.

(وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ) : فيها عدة أقوال، منها: أنها المغابن التي تلي الفخذين، وقيل لأنها الورك معقد الإزار، وقيل بأنها المذاكير، وقيل بأنها طرف الثوب الذي يلي الجسم، ولعل الأخير هو الصحيح؛ لأن هناك حديثا آخر أمر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمَ أن ينفض فراشه بداخلة إزاره إن أراد النوم عليه، خوفا من وجود الهوام أو الحشرات المؤذية. وداخلة الإزار هنا بالاتفاق هو طرف الثوب.

–       كيف تكون الوقاية من العين؟

تكون بقراءة أذكار الصباح والمساء، وقائلها لا يضره شيء بإذن الله. ولقد عوَّذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين بقوله: ((أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامّة ومن كل عين لامّة)) رواه البخاري.

و(الهامّة) كل حشرة ذات سم. و(اللامّة) التي تصيب بسوء.

ولتجنب الإضرار بالعين شرع الله لنا عند الإعجاب بشيء أن نقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله، كما في قصة صاحب الجنتين (ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله)

قال ابن كثير: من أعجبه شيء من حاله أو ماله أو ولده فليقل: ما شاء الله لا قوة إلا بالله. ا.هـ.

ومما يستدفع به ضر العين قولك: اللهم بارك فيه أو بارك عليه أو بارك له، أو ما شاء الله تبارك الله.

وأفاد حديث سهل أنّ من أصابته العين وعرف من أصابه، فإنه بشرع له أن يطلب منه الوضوء ليصب على المحسود، ويجب عليه أن يفعل ذلك ولا يكابر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((وإذا استغسلتم فاغسلوا))

والله تعالى قال عن السحرة: (وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله) فالأمر كله لله.

وفي الحديث: ((العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين)) قال ابن عبد البر: فيه دليل على أنّ المرء لا يصيبه إلا ما قدِّر له، وأن العين لا تسبق القدر ولكنها من القدر. ا.هـ.

وقال القاضي عياض: في الحديث بيان بأن لا شيء يقع إلا بقدرة الله ومشيئته. ا.هـ.

والذي يجب أن يعتقده المؤمن: أنّ الخير والشر بيد الله وأنّ ما يصيب الإنسان هو بمشيئة الله وقدره، وما على الإنسان إلا أن يأخذ بالأسباب التي تؤدي إلى السلامة والنجاة، ولو اتبعنا ما أمر به المصطفى صلى الله عليه لوجدنا راحة البال وانشراح الصدر.

وصلى الله وسلم وبارك علي نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.