السؤال:

 نرجو من عالمنا توضيح معنى مفهوم الحاكمية الشرعي ومفهوم الحاكمية الوضعي وفي أي مرجع أجد هذا الكلام وخاصة تعريف مفهوم الحاكمية الوضعي لأني في حاجة إليه في رسالتي.

 

الجواب:

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

الأخ الكريم السائل عن مفهوم الحاكمية الشرعي ومفهوم الحاكمية الوضعي:

لا بد من نظرة تاريخية إلى نشأة هذا المفهوم (الحاكمية الشرعية أو توحيد الحاكمية كما سماها البعض)

بعد سقوط دولة الإسلام (الخلافة العثمانية) عام 1924م على يد المجرم مصطفى كمال أتاتورك، الذي ألغى فيه الحكم بالشريعة الإسلامية، واستبدله بالحكم الوضعي الغربي، وليس لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يرضى يتبديل شرع الله بشرع الطواغيت.

وقد ظهر من أبناء الأمة من جاهر بعدائه لما فعل أتاتورك، وكان على رأس هؤلاء: الشيخ سعيد النورسي؛ الذي حارب جمعية الاتحاد والترقي التي أسسها أتاتورك.

وبعد إلغاء الخلافة كتب الشيخ محمد رشيد رضا كتاباً بعنوان: “الخلافة” أو “الإمامة العظمى” بيَّن فيه أهمية الخلافة الإسلامية وشرعيتها، وأنّ الإسلام قادر على تحقيق الرقي بالشعوب. كما أصدر الأزهر بياناً أعلن فيه بطلان عزل الخليفة عبد الحميد الذي انعقدت له البيعة من عموم المسلمين.

وبعد إلغاء أتاتورك للحكم الشرعي تم إعلان تركيا كدولة علمانية؛ فانسلخت بذلك عن هويتها الإسلامية، والتصقت بهوية أخرى مبنية على التحاكم إلى القوانين الوضعية.

وبعد سقوط الخلافة الإسلامية سقطت غالب الدول الإسلامية في شرك الاستعمار الصليبي من انجليزي وفرنسي وإيطالي؛ مما سهل الانتقال رسمياً من التحاكم بالشريعة الإسلامية إلى مرحلة التحاكم بالقوانين الوضعية.

وفي هذه الأثناء ظهر دعاة التغريب والعلمنة والإلحاد في العالم الإسلامي، وخصوصاً في مصر؛ من أمثال هؤلاء: سلامة موسى القبطي، الذي قال في كتابه “اليوم والغد”: إنّ الالتزام بالدين معناه التأخر والتخلف. وكذلك قال زكي نجيب: إن الغيب خرافة. وقال عبد الرحمن الشرقاوي: إنّ ما جاء به محمد هو نتيجة تجارب، لا بوحي من الله. وقال طه حسين في كتابه “الشعر الجاهلي”: إن مصدر القرآن هو الأرض وليس السماء. (وبذلك أنكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم كما أنكرها الشرقاوي)

وقال فرج فودة: إنّ تطبيق الشريعة يعني السقوط في الهاوية.

في هذه الأجواء المكفهرة حيث أصبح الإسلام يحارَب من أعدائه وممن يزعم أنه ينتمي إليه؛ كان لابد من ردة فعل تعيد الأمر إلى نصابه؛ فظهرت في هذه الأثناء حركة حسن البنا وغيرُها، التي طالبت بإعادة الحكم الإسلامي وتحكيم الشريعة، ثم ظهر بعد ذلك فكر الشيخ أبو الأعلى المودودي الذي أسس الجماعة الإسلامية في الباكستان والهند؛ كرافد أساسي لانبعاث فكرة الحاكمية، ثم تابعة بعد ذلك سيد قطب، وأصدر كتابه المشهور: “العدالة الاجتماعية في الإسلام” المأخوذ من كتابه “في ظلال القرآن”. وانطلقت هذه الدعوات من قوله تعالى: (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ. أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [سورة المائدة، 49-50].

بعض العلماء الذين ذكروا الحاكمية دون أن يجعلوا لها توحيداً خاصاً، وإنما أدخلوها في توحيد الربوبية، وحكموا بالكفر على تاركها:                                                                                   

قال شيخ الإسلامية ابن تيميّة في “منهاج السنة النبوية”: ولاريب أنّ من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر، فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلاً من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر.

وقال الشيخ محمد أمين الشنقيطي في “أضواء البيان”: الإشراك بالله في حكمه والإشراك به في عبادته كلها بمعنى واحد لا فرق بينهما البتة. وأضاف قائلا: فالذي يتبع نظاما غير نظام الله وتشريعاً غير تشريع الله، ومن كان يعبد الصنم ويسجد للوثن لا فرق بينهم البتة؛ فهما واحد وكلاهما مشرك بالله.

وقال الشيخ ابن أبي العز الحنفي في “شرح العقيدة الطحاوية” في معرض ذكر ما يجب على الأمة تجاه نبيّها: فنوحده بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان. وبهذا قال الشيخ عبد العزيز بن باز في كتابه “نقد القومية العربية”.

 

وأحيل السائل إلى بعض المراجع:

1. الشيخ رشيد رضا القلموني “الإمامة العظمى”.

2. أبو الأعلى المودودي “المصطلحات الأربعة”.

3. سيد قطب “العدالة الاجتماعية في الإسلام”.

4. صلاح الصاوي “مفهوم الحاكمية الشرعي ومفهوم الحاكمية الوضعي”.

5. عبد الله الزايدي “مفهوم الحاكمية الشرعي في الفقه الإسلامي الحديث والتصورات المخالفة”.

6. الشيخ محمد الأمين الشنقيطي “أضواء البيان”.

7. الشيخ عبد العزيز بن باز “نقد القومية العربية”.

8. الشيخ ابن أبي العز الحنفي “شرح العقيدة الطحاوية”.

9. شيخ الإسلام ابن تيميّة “منهاج السنة النبوية”.

10. الإمام الغزالي “المستصفى في علم الأصول”.

11. عبد الكريم زيدان “الوجيز في أصول الفقه”.

 

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.