السؤال:

هل واجب شبابنا في لبنان القتال في سوريا؟

 

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم.

الأخ الكريم السائل عن الجهاد في سوريا:

لابد من كلمة حول الجهاد بشكل عام؛ فالجهاد فريضة ماضية إلى قيام الساعة، قال تعالى: (انفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) [التوبة، 41]

والجهاد منه ما هو فرض عين، ومنه ما هو فرض كفاية، قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) [البقرة، 216]

ففرض العين واجب على المسلم إذا هجم العدو على أرضه أو دولته من أهل الإسلام، ويجب على أهل تلك المنطقة دفعه وإخراجه من أرضهم، فإن لم يستطيعوا وجب على من بقربهم من أرض الإسلام المقاتلة معهم، وهكذا الأقرب فالأقرب إلى أن يعم الواجب جميع المسلمين؛ لأنّ المسلمين أمة واحدة وهم يد على من سواهم.

كذلك إذا أعلن الخليفة أو الحاكم المسلم النفير العام: وجب على كل مسلم قادر في ذلك البلد الاستجابة، فإن لم يقدروا على دفع العدو: وجب على من بقربهم نجدتهم ونصرتهم، وهكذا إلى أن يعم النفير جميع المسلمين، قال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ) [التوبة، 38]

ويكون هذا الوجوب آكد في حق أهل الأرض أولاً، ولا يجوز لمن حضر المعركة أ أو علم بها وهو قادر أن يترك البلد ويفرَّ؛ فهذا يعد من التولي يوم الزحف، وهو من أكبر الكبائر، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اجتنبوا السبع الموبقات))، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: ((الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات)) [رواه البخاري]

أما فرض الكفاية: فيكون بمواجهة بعض المسلمين للعدو، ويكون عددهم كافيا لردعه وهزيمته، فيسقط الإثم عن الباقين، قال تعالى: (ومَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) [التوبة، 122]

وقال تعالى مبينا فضل المجاهدين: (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء، 95]

أما بخصوص سوريا وقتال غير أهلها إلى جانب أهلها، وهل هذا واجب عيني أو كفائي:

فالأصل في المسألة ما يقوله أهل سوريا أنفسهم (أهل مكة أدرى بشعابها)، وما عرفناه حتى الآن من القيّمين على القضية السورية من أهل الصدق والصلاح: أنّ حاجتهم تتلخص في ثلاثة أشياء أساسية؛ المال والسلاح والإعلام (بكل وسائله المنظورة والمقروءة والمسموعة)

أما الأشخاص والأعداد فلديهم فائض منهم، ويستدل على ذلك بأنّ بعض المعارك ذهب فيها تسعة أشخاص لم يكن معهم إلا خمس بنادق يتناوبون عليها، فإذا سقط شهيد أخذ بندقيته من كان حيا.

ثم من خلال الاستقراء والأحداث التي جرت: تبيّن أنّ ابن المنطقة أفضل بكثير ممن كان غريباً عنها؛ فهو يعرف مداخلها ومخارجها، جبالها وأوديتها ومغاراتها…الخ. وهذه المعرفة ضرورية لضرب العدو وتجمعاته. بينما الجهل بها هو ضعف للمجاهد وقوة إضافية للعدو، ويصبح المجاهد صيداً سهلاً للنظام القاتل وأتباعه المجرمين.

ومن الأخطاء الفاحشة التي تقع اليوم: أنّ بعض من كان يمول الجهاد بالمال ويمد عشرات المجاهدين بأسباب استمرارية الجهاد، تَرَكَ هذا العمل الجليل والهامَّ، وذهب بنفسه للقتال هناك؛ فحرم بذهابه هذا عشرات المجاهدين، وظنّ أنه يقدم خدمة أعظم مما كان يفعل، وهو مخطىء في تصوره؛ فالجهاد ليس قتالاً فحسب، بل من مقتضياته: الغذاء والدواء والكساء وعلاج الجرحى والمصابين، ورعاية أسر الشهداء والمهجرين، وتأمين التعليم، وحماية الأعراض والأنفس من أنْ يستغلها بعض ضعاف النفوس والمتاجرين بالبشر.

إنّ الجهاد متعدد الوسائل، وتجهيز المجاهدين يعادل قتال العدو، قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه زيد بن خالد رضي الله عنه: ((من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيا في سبيل الله بخير فقد غزا)) [متفق عليه]

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.