السؤال:

 

السلام عليكم

سألني أحد أفراد أسرتي: هل كل الناس الآن أحياء في قبورهم ؟

فأجبته: نعم

ولكن خطر ببالي رحلة الإسراء والمعراج لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء في بيت المقدس، ثم رأى عليه السلام في كل سماء نبيا، ولما رأى أهل النار ووجد أغلبهم من النساء… مما يعني أنهم في عالم آخر غير قبورهم

 فهل نقول أن أجسادهم في القبر وأرواحهم في السماء ؟

وهل رأى النبي أجسادهم أم رأى أرواحهم ؟

 

الجواب:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

الأخ الكريم السائل عن “هل الناس والأنبياء أحياء في قبورهم ؟”:

اعلم أنّ كل من مات من أهل الدنيا فهو ميت بالنسبة للأحياء، قال تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) [العنكبوت، 57]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ؛ إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ)) [رواه مسلم]

والمسائل المتعلقة بالميت وأحوالِه في قبره تعتبر من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله؛ لأنّ حياة البرزخ تختلف عن الحياة الدنيا، ولا يجوز الخوض في الغيب إلا عند وجود دليل من كتاب أو سنة.

وقد اختلف العلماء في مسألة سماع الموتى؛ فمنهم من أنكر مستدلا بقوله تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاء وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاء وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ) [فاطر، 22]

والأكثر قالوا بسماعهم لكلام الأحياء، واستدلوا بما ورد في الصحيحين بأنّ الميت يسمع خفق نعال الأحياء إذا انصرفوا. وكذلك حادثة قتلى المشركين في بدر، عندما خاطبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسمائهم؛ كأبي جهل وأمية بن خلف وغيرهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أَلَيْسَ قَدْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا)) فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَسْمَعُوا وَأَنَّى يُجِيبُوا وَقَدْ جَيَّفُوا ؟، قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُوا ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا فَأُلْقُوا فِي قَلِيبِ بَدْرٍ))

وكذلك تسليمه صلى الله عليه وسلم على أهل القبور؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم المقبرة فقال: ((السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ)) [رواه مسلم]

يقول ابن القيم : فإنّ هذا الحديث يدل بوضوح على سماع الأموات؛ لأنّ السلام على من لا يشعر ولا يعلم محال، وهذا السلام والخطاب لموجود يَسمع ويُخاطب ويرُد وإن لم يُسمع الرد.

وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة: فهذا خطاب لهم (الأموات) وإنما يُخاطَب من يَسمع.

أما عن حياة الأنبياء في قبورهم: فقد أثبت تعالى للشهداء حياة بعد موتهم في قوله تعالى : (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) [آل عمران، 169]

والأنبياء أعلى مرتبة من الشهداء، وفي الحديث ((مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى وَهُوَ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ)) [رواه مسلم]

أمّا سؤالك : هل صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأنبياء بأرواحهم أم بأجسادهم وأرواحهم:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((…وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ وَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَام قَائِمٌ يُصَلِّي أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَام قَائِمٌ يُصَلِّي أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ يَعْنِي نَفْسَهُ فَحَانَتْ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ…)) [رواه مسلم]

يؤخذ من هذا الحديث أنّه رآهم بأجسادهم وأرواحهم؛ كونه شبههم بأناس أحياء.

وإن كان هناك من العلماء كابن تيميّة قال بأنّ النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأرواح الأنبياءِ، وأجسادُهم في قبورهم، كذلك رآهم في السماء بأرواحِهم، وأجسادُهم في قبورهم، باستثناء عيسى عليه السلام الذي رفعه الله بجسده وروحه.

على كل حال، فمثل هذا الخلاف لا طائل تحته؛ لأنّ الله على كل شيء قدير، وهو قادر على جمع الأنبياء بأرواحهم وأجسادهم متى شاء وأين شاء وفي أي وقت شاء. والواجب على المؤمن أن يُقرّ بمشيئة الله وقدرته التي لا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء، وقد أحاط بكل شيء علماً. وصدق تعالى القائل : (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [يس، 82-83]

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.