السؤال:

 

لفت نظري كتاب عنوانه “إثبات الحد لله وأنه جالس وقاعد على العرش”، فهل هذا الإعتقاد هو ما كان عليه السلف ؟

أليس هذا العنوان مسوّغ لرمي المؤلف ومن يوافقه بالتجسيم ؟

 

الجواب:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الأخ الكريم السائل عن الاستواء، والكرسي، والعرش.

أَمَرَ الإسلامُ المسلمَ بأنْ يبتعد عن الشبهات، وأن يرجع إلى أهل العلم. قال أهل التفسير: إنّ كلام الله يُفَسِّر بعضه بعضاً، وفيه الهدى والنور والشفاء لما في الصدور، قال تعالى: (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ) [فصِّلت، 44]. وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ) [يونس، 57].

وأخبرنا تعالى أنّه على العرش استوى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه، 5].

وقال تعالى: (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) [النمل، 26].

وقال تعالى: (وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الزمر، 75].

وفي دعاء الكرب المرويّ في الصحيحين: قال صلى الله عليه وسلم: ((لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ذو العرش الكريم)).

وعندما سئل الإمام مالك رحمه الله عن كيفيّة استواء الله على العرش قال: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة). ثُمَّ أَمَرَ بإخراج السائل من المجلس؛ لأنّه مبتدع.

فلا يصح أن نسأل عن الكيفيّة؛ فالله تعالى يقول: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى، 11].

فالله هو الخالق ونحن المخلوقون، وهل يستوي الخالق القادر القوي المتين مع المخلوق الضعيف المسكين ؟!. فقياس الخالق على المخلوق قياس باطل.

وعن عظمة كرسيّه تعالى قال: (اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) [البقرة، 255].

قال صاحب العقيدة الطحاويّة: (والله مستغنٍ عن العرش وما دونه، محيط بكلّ شيء وفوقه، وقد أَعْجَز عن الإحاطة خَلْقَه).

فهو مستغنٍ عن العرش وما دونه؛ لقوله تعالى: (…فَإِنَّ اللَّه غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) [آل عمران، 97] وقال تعالى: (والله هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ) [فاطر، 15].

فذكر الله تعالى غِنَاه بعد أنْ ذكر استواءه عليه، ليس لحاجته إليه، بل لحكمة أرادها عز وجل.

وكون العالي فوق السافل لا يلزم أنْ يكون السافل حاوياً للعالي محيطاً به حاملاً له، ولا أنْ يكون الأعلى مفتقراً إليه، ولله المَثَل الأعلى. فانظر إلى السماء كيف هي فوق الأرض، وليست مفتقرة إليها، فالرب تعالى أعظم شأناً، وأجلّ من أنْ يَلزم مِنْ علوّه ذلك، بل لوازم علوّه من خصائصه؛ وهي حَمْلُه بقدرته للسافل وفقر السافل، وغِناه هو سبحانه عن السافل، وإحاطته عز وجل به؛ فهو فوق العرش مع حَمْلِه بِقُدرته للعرش وحَمَلَتِه، وغِناه عن العرش وفقر العرش إليه، وإحاطته بالعرش وعدم إحاطة العرش به، وحصره للعرش وعدم حصر العرش له، وهذه اللوازم منتفية عن المخلوق.

قال تعالى: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا) [النساء، 126]

وليس المراد من إحاطته بخلقه أنّه كالفَلَك، وأنّ المخلوقات داخل ذاته المقدسة، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، وإنما المراد: إحاطة عظمة وسعة، وعلم وقدرة، وأنها بالنسبة إلى عَظَمَتِه كالخَرْدَلَة؛ لما ثبت عن ابن عبّاس أنّه قال: (مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرَضُونَ السَّبْعُ وَمَا فِيهِمَا فِي يَدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلا كَخَرْدَلَةٍ فِي يَدِ أَحَدِكُمْ).

قال تعالى مبيّناً عَظَمَتَه: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الزمر، 67].

وقال عن فوقيّته تعالى: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ) [الأنعام، 18]. وقال تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) [فاطر، 10].

وأهل السنّة والجماعة يثبتون لله عز وجل الصفات بدون مماثلة (والتمثيل: ذِكر مُمَاثِل للشيء)، فيقولون: أنّ الله عز وجل له عِلم ليس كعِلمنا، وله بَصَر ليس كبَصَرِنا، وهكذا سائر الصفات؛ لأنّ الله عز وجل لا يماثل خلقه فيما وصف به نفسه أبداً، قال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، وقال تعالى: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيَّا) [مريم، 65].

وقد نهى تعالى أنْ يُجعل له نظراء مماثلين، قال تعالى: (فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة، 22].

والتفويض عند السَّلَف هو تفويض كيفيّتها، لا يعلم كيفيّة صفاته إلا هو سبحانه. ولا يفوّضون معناها، بل يثبتون المعنى كما ورد عن الإمام مالك لمّا سئل عن الاستواء، فقال: الاستواء معلوم، أي من حيث المعنى معلوم.  

إنّ كلمة استوى إذا تعدّت بـ(على) كان معناها العلو، والكيف مجهول لدينا وغير معقول؛ وذلك لأنّ عقولنا لا تدرك كيفيّة استواء الله عز وجل، فيجب علينا الكفّ عنها والإيمان بها. وكلام الإمام مالك ميزان لجميع الصفات، فإن سُئِلْت عن أيّ صفة من صفات الله عز وجل فقل فيها كما قال الإمام مالك في صفة الاستواء على العرش. فأهل السنة والجماعة يثبتون الصفات التي جاءت في الكتاب والسنة من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تكييف، ويفوّضون كيفيّتها إلى الله جلّ وعلا. ونتذكّر دائماً قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ). وإنّ له الأسماء الحسنى والصفات العلى تبارك في علاه.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. 

التصنيفات: غير مصنف

0 تعليق

اترك تعليقاً