محمد رشيد رضا – مجلة المنار

أيها الشبان النجباء…

العزيمة وتربية الإرادة

تربية الإرادة، وإحكام ملكة العزيمة…

هذا النوع من التربية هو العزيز النادر الذي يقل فينا من يفكر فيه، وفي الحاجة الشديدة إليه، وقد رأيتني مضطرًا إلى التنويه بعد تذكير الطلبة النجباء بالواجبات التي تطالبهم بها أمتهم وملتهم، فإن ضعيف الإرادة يستكبر هذه الواجبات، حتى يعدها من المحال، الذي لا يدرك ولا ينال، وأما قوي الإرادة فإنه يراها من أقرب الأمور منالاً، وأسهلها طريقًا، وهو لا يأبى ركوب الصعاب، واقتحام العقاب، في المهامِه الطامسة الأعلام، البعيدة الأرجاء، إذا ظن أنه يدرك بها الأمل وينال الرجاء.

لا يتفاضل الناس في شيء تظهر به مزاياهم كتفاضلهم في قوة الإرادة، وما آتى الله الإنسان قوة يعلو بها شأنه، ويظهر بها استعداده كقوة الإرادة، بقوة الإرادة تصرف الإنسان في الطبيعة، وسخر لمنافعه أنواع الخليقة، وعمل بعض أفراده من الأعمال ما لا تعمله الأمم في الأجيال، وقد عبر بعض كبار الصوفية عن سرِّ الله الأعظم في إرادة الإنسان بكلمة كبيرة جدًّا، قد يستنكر ظاهرها، ويعد إساءة أدب مع البارئ عز وجل، ولكن هذا إن عد من لوازم الكلمة فهو ليس مرادًا لمن قالها، تلك الكلمة الكبيرة هي قوله: (إن لله عباد[2] إذا أرادوا أراد) يعني: إن أصحاب الإرادة إذا جزموا إرادتهم بأن كذا لا بد أن يكون، فإن ذلك يكون سببًا كافيًا لأن يكون وتتعلق إرادة الله تعالى به بحسب سنته في خلقه، فكأن إرادتهم شعبة من الإرادة الإلهية، أولئك أصحاب العزائم الذين تشهد لهم أعمالهم العظيمة ولا شهادة أبلغ من شهادة الأعمال.

أيها الشبان النجباء:

اعلموا أن من فقد إرادته فقد نفسه، وكان آلة في يد غيره أو تابعًا لهوى نفسه، ولا يمكن أن يكون رجلاً عظيمًا، ربوا إرادتكم بحملها على ترك الهوى الباطل، وتعويدها حمل المكاره في سبيل الحق والخير، لتكونوا مالكين لأنفسكم لا مملوكين لها، ومن كان عاجزًا عن التصرف في نفسه، فهو جدير بأن يكون أعجز عن غيره، ضعيف الإرادة لا يكون إلا نذلاً جبانًا، والجبان لا يكون إلا خائنًا أو منافقًا، فعليكم بالشجاعة والعزيمة والنجدة وعلو الهمة، فبغير هذه الصفات لا تظهر مزايا الإنسانية فيكم.

لا تهولنكم الواجبات التي تطلبها الأمة منكم، فإن الإرادة الصادقة لا يقف أمامها شيء، الإرادة الصادقة أعظم قوة خلقها الله في هذه الأرض، فلا تغفلوا عن تربيتها في أنفسكم والاستفادة منها في بلادكم، وقل من صدقت إرادته في طلب شيء ولم ينله، اللهم إذا طلبه من أسبابه، ودخل عليه من بابه.

إنني كررت النذر ورددت الذكرى عسى أن تسمو بأصحاب الاستعداد همتهم إلى تربية أنفسهم، وإعدادها لخدمة أمتهم وملتهم، وعدم الرضا لها بالضعة والخمول، والقناعة بترفيه هذا الجسد الحيواني باللباس والقوت، كونوا قدوة صالحة لأمتكم بالفضيلة والتقوى والمحافظة على شعائر الدين وفرائضه، كونوا مستقلين في عقولكم وأفكاركم، مستقلين في إرادتكم، بحيث لا تخافون في سبيل الحق والمصلحة لومة لائم، وإياكم والتقاليد والبدع الغريبة التي تبعد أهل ملتكم عنكم وتبعدكم عنها، كونوا جامعين لا مفرقين، كونوا مرغبين للأمة في العلوم العصرية التي تنمي الثروة، وترقي جميع مرافق البشر ومنافعهم، ولا تكونوا بسيرتكم الشخصية منفرين لهم منها، إن المسلمين في بلادكم انقسموا في كل بلاد دخل فيها التعليم الأوربي إلى ثلاثة أقسام: قسم فتن بالجديد ممقت كل القديم، وقسم جمد على القديم فهو ينفر من كل جديد، وقسم معتدل بينهما، يأمر بالمحافظة على القديم النافع وترك الضار منه بالتدريج، وإضافة ما لا بد منه من الجديد بشرط حفظ مقومات الأمة ومشخصاتها والحذر من فنائها في غيرها، فكونوا من المعتدلين الجامعين، فأنتم في قومكم أعرف من غيركم بالحاجة إلى هذا الجمع، وخطر الخلاف والتفرق، وأمامكم الأمة الإنكليزية في سيرتها وأخلاقها عبرة لكم لا تضاهيها عبرة، إنها لا تترك شيئًا من عاداتها ولا تقاليدها ولو إلى أحسن منه إلا إذا اضطرت إليه، فإنها تأتيه بالتدريج وإلا أصرت عليه كما تصر على مقاييسها ومكاييلها، ولا تتركها إلى المقاييس والمكاييل التي هي خير منها، والعاقل من اعتبر بغيره والله الموفق وإياه أسأل أن يتم النفع بكم لأمتكم إنه سميع مجيب.