محمد رشيد رضا

اقتباس من مجلة المنار

تربية المرء لنفسه

أيها الطلاب النجباء:

إنني أخصكم بالخطاب والتذكير في هذا القسم من أقسام التربية، سمعتم قولي في تقصير مدارسنا في التربية ورأيي في سببه، وأزيدكم على ذلك أن المدارس التي هي أرقى من مدارسنا في الأمم التي هي أرقى في الحضارة والعلوم من أمتنا، لا تستقل بتخريج الرجال العظام ولا بتكميلهم في التربية والتعليم، فإن كثيرًا من المتخرجين في مدارس أوربة الجامعة يكونون لصوصًا وفوضويين وفجرة يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، المدارس تفتح للطلاب أبواب العلم، وتدلهم على طرق العمل لأنفسهم ولقومهم أو جنسهم، ولكنها لا تبوئهم تلك البيوت، ولا تقودهم في تلك الطرق حتى توصلهم إلى غايتها، وإنما ذلك عليهم لا على المدارس، وأن بعض المديرين لشئون المدارس أو المسيطرين عليها قد يريدون من تربية النابتة وتعليمهم ما لا تريده تلك النابتة لأنفسها لو عقلته وعرفت عاقبته، فينبغي للأذكياء من طلاب العلوم أن يكونوا على بصيرة في تعلمهم وتربيتهم، وأن يعلم كل واحد منهم أنه لا ينال الكمال الممكن إلا بجده الشخصي وعنايته بتربية نفسه وتكميلها.

ربُّوا عقولكم على الاستقلال في الفهم، والاستدلال على المطالب، لتكونوا علماء بأنفسكم، لا نقلة تحكون علم غيركم، ليكن العلم صفة من صفاتكم لا صورًا خارجية تعرض على مرآة أذهانكم.

ربُّوا أنفسكم على الفضيلة والتقوى وعلوّ الهمة وقوة الإرادة ومضاء العزيمة، لتكونوا كَمَلَةً في أنفسكم، وقدوة صالحة لأمتكم، إنني أعلم أن أكثر طلبة العلم منكم ومن غيركم يطلبون العلم لأجل المعاش لا لأجل تكميل النفس بالفضيلة، ولا لأجل النهوض بالأمة، وأعلم مع ذلك أن الناس معادن كمعادن الذهب والفضة (كما ورد في الحديث الشريف) وأن من كان معدنه شريفًا وجوهره كريمًا لا يرضى لنفسه إذا عرف مزايا جوهرها أن تكون في مرتبة المعادن الخسيسة.

لا أقول إن من يطلب العلم الدنيوي لأجل الكسب يكون خسيسًا مذمومًا؛ فإن الكسب مطلوب بل ضروري ولا بد في إتقان أسبابه من العلم، فمن يطلب العلم ليكون حاكمًا أو طبيبًا أو مهندسًا أوصيدليًّا أو تاجرًا أو قائمًا بغير ذلك من أعمال العمران – حقيق بأن يكون محمودًا في علمه وعمله، ولكنه لا يفضل من هذه الجهة العوام والأميين الذين يعملون ما لا يتوقف على تعليم المدارس من أعمال العمران كالفعلة وصغار الصناع والزراع من حداد ونجار وخباز ووقاد في سفينة أو قطار أو حمام، كل من يؤدي للأمة عملاً من الأعمال التي تحتاج إليه يكون جديرًا بالشكر والثناء على قدر إتقانه له وبذل جهده فيه، وباللوم والذم على قدر تقصيره فيه، ووقوفه دون الغاية التي يستطيعها من إتقانه، ولكن المتعلمين في المدارس العالية يجب أن تكون خدمتهم لأمتهم أرقى من خدمة الفعلة والصناع من العوام، يجب أن يكون نفعهم متعديًّا، يجب أن يكونوا قدوة لغيرهم في الفضائل والآداب، والقيام بالمصالح العامة، والمنافع المشتركة، يجب أن يكونوا بذلك مربين لها، وعمالاً لرفع شأنها، ولا يكونون كذلك إلا إذا عنوا بتربية أنفسهم على الفضيلة والتقوى، فإننا نرى كثيرًا من الذين تعلموا في أرقى مدارسنا ومدارس أوربة العالية كانوا بفساد تربيتهم وبالاً على الأمة إما بسوء أخلاقهم واتجارهم بمصالحها، وإما بفسقهم واستهانتهم بشريعتها وشعائرها، فيجب أن تراعوا في تربيتكم لأنفسكم، نسبتكم إلى أمتكم ونسبتها إليكم، وأن تتقوا التقليد الذي يبعدكم عن مقوماتها ومشخصاتها، وتوخُّوا أن تكونوا معها كبيوت النحل المسدسة الشكل لكي يتصل بعض طبقاتها ببعض، وإن تمايزت الطبقات أو الأفراد في أنفسها بالعلم والحكمة كما تمتاز بعض بيوت النحل بوجود العسل فيها على ما لا عسل فيه.

لا يتفاضل البشر في شيء كما يتفاضلون في نفع الناس والقيام بمنافعهم العامة ومصالحهم المشتركة، وإن أمتنا لتشكو من قلة العاملين للمصلحة العامة ما لا تشكو من قلة العالمين بها، فلو كان فينا كثيرون يعملون بما يعلمونه من مصالح الأمة ومؤثرون ذلك على أهوائهم لما كنا في هذه الحال السوءى التي نشكو منها، قال بعض علماء أوربة وكبرائها للأستاذ الإمام: إننا نرى فيكم من نذاكرهم فيجاروننا في كل علم، ونراهم يفهمون المصالح والأمور كما نفهمها سواء، فما هي علة تأخركم عنا؟ الجواب الذي اتفق عليه العالمان المسلم والإفرنجي أن علة ذلك هي كثرة العاملين للمصحلة العامة في الإفرنج وندرتهم فينا.

ينبغي لكل من كان كريم الجوهر عالي الهمة أن ينوي ويقصد المنفعة العامة في كل عمل يعمله، فإن أقل فائدة ذلك أنه يرقي نفسه ويزيده كمالاً وإن لم يتم له ما ينوي، لا يوجد عمل من الأعمال يتعذر فيه قصد المنفعة العامة، وإنني أضرب لكم مثلاً واقعًا على هذا من أغرب ما يؤثر عن الأمم الحية، حدثني الأستاذ الإمام أنه في بعض أسفاره أراد اختبار بعض أفراد الطبقة الدنيا من الإفرنج وكان راكبًا في سفينة إنكليزية، فسأل وقَّادًا فيها عن عمله الشاق وأجرته عليه، ثم سأله: هل ترجو ارتقاء في حياتك هذه؟ قال: نعم، إنني أفكر في عمل عظيم، وأسعى إلى ارتقاء كبير، قال الأستاذ: ما ذاك؟ قال الوقاد: إنك تعلم أن معادن الفحم الحجري محدودة، وأنهم يقدِّرون لها النفاد في قرون معدودة، فإنا نفكر في طريقة للاقتصاد في إنفاق الفحم تكون به أمتنا الإنكليزية أغنى الأمم به، وأستفيد أنا من هذا الاختراع ثروة كبيرة ومجدًا عظيمًا.

 فتأملوا – رعاكم الله – كيف توجهت همة ذلك الرجل الذي هو أدنى الناس حرفة وعملاً إلى أن ينفع أمته العظيمة الغنية وينمي ثروتها ويجعل الأمم والدول في حاجة إليها، وأن ينفع نفسه من طريق نفع قومه، وهو لم يتجاوز بذلك حدود عمله، ولم يدفعه الغرور إلى الاشتغال بما لا يعد من أهله، أفيعجز كل فرد من أفراد المتعلمين أن يكون له مثل هذه النية الحسنة، والهمة العالية؟

أيها الطلبة النجباء: إن شعوب البشر متقاربة في الاستعداد للكمال الإنساني، وإننا معاشر الشرقيين عامة، والمسلمين خاصة، ما سبقنا الأمم التي نراها الآن أعلى منا إلى العلوم والحضارة؛ لأن استعدادنا الفطري دون استعدادها، فعليكم أن تفكروا دائمًا في استعدادكم، وأن تستعملوه في طلب الكمال لأنفسكم وأمتكم، وأنتم قادرون على ذلك.

ولم أر في عيوب الناس عيبًا            كنقص القادرين على التمام

واعلموا أن قيمة الذي يتعلم لأجل أن ينال قوتًا مضمونًا من الحكومة أو من غير الحكومة لا تكون إلا بقدر جثته التي يسعى لتغذيتها، وإنها لقيمة قليلة لا يفضل بها الثور ولا الحمار الذي يأكل أضعاف ما يأكل الإنسان، ولا يتألم كما يتألم الإنسان ومن تعلو به همته فيطلب أن يكون وجوده أوسع من محيط جسمه فإنه ينال ما يطلب، فإذا هو قام بنفع بلده كان وجوده بقدر بلده بحيث يكون ذكره مالئًا له، وإذا هو قام بخدمة أمته كلها، بعمل نافع يعمله لها، فإن وجوده المعنوي يكون واسعًا بقدر سعة أمته كلها، بعمل نافع يعمله لها، فإن وجوده المعنوي يكون واسعًا بقدر سعة أمته كلها، لا يجهل ذلك قطر من أقطارها، وإذا هو استطاع أن ينفع جميع البشر فليفعل، فإن وجوده يكون بقدر العالم الذي انتفع به، وأمثال هؤلاء الرجال هم الذين يوزن الواحد منهم بأمة، قال تعالى: “ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً “ (النحل: 120)، وقال في عباد له أعدهم لنفع الأمم: “ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ “ (القصص: 5)، وعلمنا أن ندعوه بقوله: “ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً “ (الفرقان: 74) فعليكم أن تربوا أنفسكم على علوّ الهمة وخدمة الأمة لتكونوا من الأمة.

إن الإنسان لا يكون قدوة في الخير نافعًا للناس إلا إذا كان فاضلاً كريم الأخلاق، وإن مساوئ الأخلاق تشين العاِلم، أكثر مما يَشين الجهل رُبّ الأخلاق الكرائم، ولا يفسد الأمم شيء كفساد أخلاق علمائها وحكامها وزعمائها، فإذا قصرتم في تربية ملكة الفضيلة في أنفسكم، فإنكم تضرون أكثر مما تنفعون بعلمكم، أما الطريق الذي ينبغي أن يسير عليه المرء في تربية نفسه فهو أن يلتزم الأعمال التي تطبع ملكتها في النفس ويتكلفها ويواظب عليها، ولا يتساهل في كبير ولا صغير منها، وأن يجعل له مراقبًا من إخوانه يذكره إذا نسي، ويلومه إذا تساهل، وأذكر لكم على سبيل المثال ما جربته بنفسي: قلت لرفيق لي في طلب العلم: إذا قدرت أن تحفظ عليَّ كذبة واحدة فلك حكمك في الجزاء عليها، قلت له هذا وما أنا بآمن على نفسي من فلتات اللسان، ونزغات الشيطان، وإنما أردت أن يكون ذلك حاملاً لي على شدة الاحتراس من الكذب الذي هو شر الرذائل وأشدّها ضررًا، وأحمد الله أنه لم يستطع أن يحفظ في السنين الطوال التي عاشرني فيها كذبة ما، وما أبرئ نفسي ولا أزكيها بهذا، وإنما أريد أن أذكركم أيها الإخوة النجباء بما جربته واستفدت منه لعلكم تعتبرون.

———————————————————-

( اقتباس من خطبة ارتجالية ألقيت في مدرسة العلوم الكلية بعليكره )

شعبان 1330 هـ – أغسطس 1912