محمد رشيد رضا

اقتباس من مجلة المنار

الفضيلة والتربية الدينية

لا فضيلة إلا بالدين فمن لم يتربَّ تربية دينية لا يكون على شيء يُعتدُّ به من مكارم الأخلاق، وقد ينشأ بعض الناس على الفضائل والآداب الدينية , ثم يعرض له الشك في دينه أو الجحود في الكبر، ولكنه إذا استطاع التفلت من جميع عقائده، لا يستطيع التفليت من جميع فضائله، وقد يغتر هو بنفسه أو يغرُّ غيره بما بقي له من آثار صبغة الدين , فيقولون: إن الكفر قد اتفق مع الفضيلة، ويغفلون عما يحدثه له هذا الكفر من أنواع الرذيلة، وقد يسمون بعض الرذائل بأسماء الفضائل أو يعدونها منها.

يوجد أفراد من الملاحدة في البلاد الغربية يزعمون أنه يمكن أن يستغنى في تربية النفس عن الدين، بأن يقام بناء الفضيلة على أساس العلم والعقل، بأن يقنع المربي من يربيه بأن الرذائل ضارة بفاعلها، أو بالهيئة الاجتماعية التي يعيش فيها، وأن الفضائل دعائم المصالح والمنافع، كأن يقال له: إن الكذب قبيح متى عرف به امرؤ بطلت الثقة به، ومن لا يوثق به تفوته منافع كثيرة، ويكون محتقرًا في أنفس الناس، ويقال له نحو هذا في مدح الأمانة والترغيب فيها، ويرون أن هذا النحو من التربية أفضل وأنفع من التربية الدينية التي أساسها عندهم التخويف من عقاب الآخرة، وقد سمعنا بعض مقلدتهم من المتفرنجين يلوكون أمثال هذه الكلمات ويتشدقون بها , ويرون أنهم ينطقون بالحكمة، ويرفعون قواعد الفلسفة.

كان سبب حدوث هذه الأفكار في أوربة ما سبق من ضغط رجال النصرانية في القرون الخالية على رجال العلم وأحرار الفكر؛ إذ كانوا يقتلونهم تقتيلاً، ويحرقونهم بالنار أحياء، فكان من مقتضى سنة ردَّ الفعل أن يغلو أحرار الفكر من المارقين من النصرانية في ذم الدين والتنفير عنه، وقد وجدوا في كتب ذلك الدين وتقاليده وسيرة بعض رؤسائه مجالاً واسعًا للطعن والتنفير، ومع هذا كله لا يزال السواد الأعظم من الشعوب الإفرنجية كلها يربون أولادهم من النشأة الأولى على آداب الدين وفضائله , ولا سيما الإنكليز والجرمانيين منهم، ويخصون الإناث بمزيد العناية في التربية الدينية؛ لأنهن هن اللواتي يربين الأولاد في الطور الأول من حياتهم، ويؤثر عن الفيلسوف سبنسر – أكبر علماء الاجتماع والتربية في هذا العصر – أنه قال ما معناه: إن بعض الناس يريدون تحويل تربية الفضيلة عن أساس الدين إلى أساس العلم، وإذا وقع هذا بالفعل يقع به الناس في فوضى أدبية لا يعلم أحد عاقبتها [1].

ما لنا ولكلام الناس وأفعالهم، إننا نعلم بالنظر والاختبار أن إقناع جميع طبقات الناس بنفع الفضائل وضرر الرذائل وحملهم على العمل المطرد في ذلك مما لا سبيل إليه، ولا مطمع فيه، فالولدان لا يعقلونه، وبُلداء العوام وجماهير الشعوب الهمجية لا يقتنعون به، وأكثر الأذكياء يجعلون أنفسهم معيار المنافع والمضار، فيؤثرون ما ينفعهم وإن أضر بغيرهم، ويطبقون ذلك على قانون فضيلة المنافع بالتأويل، فإذا قدر الواحد منهم على أكل مال غيره بالباطل أو خيانته في عِرْضه وأمن اطلاع الناس عليه خان في المال والعرض، وأوَّل ذلك في نفسه بأنه هو أحق بالمال وأجدر به؛ لأنه يضعه في مصارفه التي هي أنفع للناس وله، ويزعم أن صاحب المال لا يقدر على أن يأتي بمثل نفعه وعمله، ولا يأبى أن يقول: إن الخيانة في العرض لا ضرر فيها، لأنه يفسر الفضائل والرذائل بحسب الشهوة والهوى، وقد صرح أمامي من يعدّ في الطبقة العليا من حرية الفكر بأن أكل مال الناس بالباطل – أي بدون مقابل ولا تراضٍ – يعد من الفضيلة، إذا كان سارقه أو ناهبه أو الخائن فيه ينفقه فيما يراه أنفع للهيئة الاجتماعية مما ينفقه فيه صاحب المال، ولا يخفى على عاقل أن الناس يختلفون اختلافًا كبيرًا في النافع والأنفع وضدهما، فما يراه بعضهم نافعًا يستحق الشكر قد يراه بعضهم ضارًا يستحق فاعله القتل، فإذا لم يكن لهم دين يحكم كتابه بين الناس فيما إختلفوا فيه، وجروا على استباحة كل منهم ما يرى أنه ينفع به ما لا ينفع غيره، ألا يكونون في فوضى وخيانة تفسد عليهم أمرهم، حتى يأذن الله بهلاكهم؟

يقول غوستاف لوبون في كتابه (روح الاجتماع): إن بعض القضاة عندهم في (فرنسة) أحصى عدد المجرمين الذين حكمت عليهم محكمة الجنايات , فكان ثلاثة أرباعهم من المتخرجين في المدارس العالية والربع من عوام الناس، ونحن نعلم أن الذين لا يجرمون من هؤلاء المتعلمين الماديين لا يصدهم عن الإجرام والجناية الفضيلة , وإنما يصد بعضهم خوف الفضيحة أو عقاب الحكومة إذا ظهرت الجناية، وبعضهم اشتغاله بعمل يصرف عنها، وعن الشعور بالحاجة إليها، وبعضهم تأثير التربية الدينية الأولى، ولا يكاد يتعفف عن الرذيلة أحد تدفعه شهوته إليها وتقربه أسبابها منها، إلا المتدين الذي يراقب الله تعالى ويخشاه، أو الفيلسوف العالي النفس إذا ثبت عنده أنها رذيلة، وإلا فإننا نرى سيرة كثير من الفلاسفة ملوثة بالرذائل الكثيرة، وهذا من معنى قولنا: إن الفضيلة القائمة على قواعد الدين تكون عامة ينتفع بها جميع طبقات البشر في بداوتهم وحضارتهم بقدر حظهم منها، وأما الفضيلة العقلية النفعية المحضة فلا تكون إلا خاصة ببعض أفرادهم الممتازين، على ما يعرض فيها من سوء التأويل.

أضرب لكم مثلاً رجلاً فقيرًا بائسًا من بلدنا (القلمون) يكنى (أبا حطب كان يحمل الخضر والفاكهة على ظهره ويصعد من بساتين القلمون أو طرابلس الشام إلى جبل لبنان , ينتقل بها من قرية إلى قرية؛ ليبيعها ويأكل من ربحها، شب وشاب على ذلك , هذا الرجل البائس وَجد مرة في شارع من شوارع ميناء طرابلس خالٍ من الناس كيسًا كبيرًا مملوءًا بالنقود الذهبية (الليرات) فتناوله ووضعه في سلة الخضر التي يحملها على ظهره , وبقي يسير الهوينا على عادته إلى أن رأى في الطريق رجلاً روميًّا ملهوفًا يعدُو ويصيح (خرب بيتي) فعرف الرجل المسكين بالقرينة أنه صاحب الكيس فناداه – وهو لا يلتفت إليه – فقال: (يا خواجة تعالَ يا خواجة) فأقبل عليه الرومي فسأله ماذا ضاع لك؟ قال: كيس من الذهب فيه كذا من الليرات، فأخرج له الكيس وقال: أهذا كيسك؟ قال: نعم نعم , قال: خذه، فأخذه الرومي ولم يعطه شيئًا، فسأله بعض الناس: لماذا أعطيت هذا الرومي الخبيث الكيس وهو لم يعلم أنه كان معك، ولو أخذته لأغناك عن بيع الخضر طول عمرك؟ فقال: إذا كان هو لم يعلم أنني أخذت الكيس فإن الله علم بذلك وهومطلع عليَّ.

هذا ما فعله البائس الفقير (أبوحطب) بوازع الدين وهو مطمئن القلب منشرح الصدر، أفرأيتم لو كان قد تلقى من بعض الفلاسفة الماديين أنه لا إله ولا دين ولا حياة للناس بعد هذه الحياة , وأن الأمانة واجبة عقلاً؛ لأن الهيئة الاجتماعية لا تصلح بدونها، أكان يعطي الكيس لذلك الرومي؟ وأكثر هؤلاء الأروام عندنا أشرار شرسون لا يحبهم الناس ولا يرجون منهم خيرًا؟ لا والله، بل لو وجده بعض القضاة الماديين الذين عهد إليهم إقامة ميزان العدل والحق لأكلوه فرحين مستبشرين.

أكتفي بهذا البيان الوجيز في إثبات كون تربية النفس على الفضيلة لا تتم إلا بالدين، وكون كل دين من الأديان أعون عليها من تلك الفلسفة الناقصة، التي لا يمكن أن تكون عامة، وإن كانت الخرافات والتقاليد الوثنية في أكثر الأديان تنافي كثيرًا من الفضائل، وتكون مثارًا لكثير من الرذائل.

———————————————————-

( اقتباس من خطبة ارتجالية ألقيت في مدرسة العلوم الكلية بعليكره )

شعبان 1330 هـ – أغسطس 1912

1- كنت أريد أن أذكر في هذا البحث كلمة للفيلسوف ابن رشد – أشهر حكماء عصره – ثم نسيتها , وهي أن الفيلسوف الحقيقي لا يجيز أن يجعل الدين محل الشك والإثبات ويوضع موضع البحث؛ لأن ذلك يتضمن جعل مبدأ الفضيلة وأساسها موضع الشك وذلك هدم للفضيلة اهـ بالمعنى ومثاله أن يشكك المريض في أصل الطب , ويحمل على أن لا يقبل المعالجة والدواء إلا بعد البحث في علم الطب نفسه وإقامة الحجة على نفسه.