محمد رشيد رضا – مجلة المنار

ما لا بد منه [*]

      قلنا ولا نزال نقول: إن التربية والتعليم هما الركنان اللذان يقوم عليهما بناء السعادة، والعاملان الرافعان إلى قنة السيادة، وهما أمران متلازمان لا يفارق أحدهما الآخر إلا إذا أمكن وجود العمل من غير علم العامل بما يعمل. التعليم إفادة العلم – أي علم – والتربية هي القيام بشؤون الصغير حتى يميز ويقدر على العمل، وإرشاده إلى وجه الصواب في العمل عند القدرة عليه، وفهمه ما يلقى إليه، حتى يتم له رشده، ويكمل له عقله، وهذا لا يحصل إلا بالعلم النافع، فالعلم هو الينبوع الذي يستمد منه القائمون بالتربية والتعليم.

      العلم كثير والعمر قصير، فلا يمكن أن يحصل جميع أفراد الأمة جميع العلوم ولو استغرقوا جميع الأوقات، وتركوا الأعمال وهي المقصودة بالذات، فما هي العلوم والفنون التي لابد منها لجميع الأفراد، ولا تسع جهالتها واحدًا من الآحاد ؟.

      إن الشريعة الإسلامية قسمت العلوم التي فرضت على الأمة تعلمها إلى قسمين: واجب عيني وواجب كفائي.

      فالأول: ما يطلب من كل فرد من أفراد الأمة ذكرانها وإناثها، كالفنون الباحثة عن تصحيح الاعتقاد وتهذيب الأخلاق وتطهير النفوس وكيفية العبادات، وما هو الحلال ليُنتقى والحرام ليُتقى.

      والثاني: ما يطلب من مجموع الأمة، لتعلقه بالمصلحة العامة، فإذا قام به في كل قطر من الأقطار طائفة يكفون الأمة ما تحتاجه منه سقط الحرج عن الباقين، وإلا حرجت الأمة كلها وكانت آثمة، وإذا أثمت الأمة كلها نزل بها البلاء وحل بها السخط الذي يقتضيه ذلك الإثم الكبير الذي ضاعت به المصلحة العامة ولكل ذنب بلاء على قدره، وذنوب الأمم لا ينالها العفو ولا ترجأ عليها العقوبة كما هو مشاهد ” وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ “ (هود: 102).

      المصالح العامة ما بها قوام الدين كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلوم التفسير والحديث والأصول والفقه إلخ ما هو مشهور، وما بها قوام الدنيا كالزراعة والصناعة والطب والحساب والهندسة إلخ ما هو معروف، وقال العلماء: لا يكون الإنسان كاملاً في علمه حتى يأخذ من كل فن من الفنون المتداولة في عصره طرفًا يعرف به موضوع الفن وفائدته، ونسبته لغيره من الفنون، لكيلا يعادي العلم ويناكر أهله عن جهل، ويحكم عليه خطأ، ثم يصرف همه إلى التوسع في العلم الذي يريد العمل به والانفراد فيه.

      وكأين من علم يكون في عصر من العصور من الكماليات فيصير في عصر آخر من الضروريات، كعلم تقويم البلدان (الجغرافيا) الذي كان في عهد العباسيين تقصد به اللذة أكثر مما تقصد به الفائدة (كعلم الهيئة الفلكية حتى الآن) وقد أصبح اليوم من الضروريات التي لابد منها، سعدت بالتوسع فيه دول ساعدها على الاستواء على البلاد، والاستيلاء على العباد، من غير سيوف تسل ونفوس تسيل، وبدون مدافع تسائل وصياصي تجيب، وشقيت بالتقصير فيه أمم ذهبت بلادها من أيديها من غير أن تشعر، وجاس العدو ديارها تحت مواقع أنظارها ولم تبصر، نعم يتوقف اليوم على هذا العلم الحرب والجهاد، وسياسة الممالك والبلاد، فهو دعامة الحرب وأساسها، ومعيار السياسة وقسطاسها، وكذلك الهندسة والفلسفة الطبيعية وفنون أخرى.

      جرت الأمم القوية في التربية والتعليم على طرق لا مندوحة لنا عن محاكاتها فيها ومجاراتها عليها كمًّا وكيفًا، مع اعبتار حالة بلادنا الدينية والاجتماعية، ومراعاة مقدرتنا المالية والعلمية، لأننا نعلم أن عزة تلك الدول وتقدمها على نسبة تقدم التربية والتعليم فيها. ومن يلاحظ سير الأمم والدول في هذا العصر ويقيسه بمقياسه، ويزن تقدمها وتأخرها بميزانه، يتجلى له بالبرهان الرياضي الصحيح أن ذلك لا بد أن ينتهي بفناء بعضها وتلاشيه، وبلوغ بعضها من مراتب الوجود الممكن أقاصيه وأعاليه، إلا إذا عثر المُجدّ وكبا الجواد، أو نهض العاثر من سقطته وجدَّ المتخلف، وإذا وقع الأمران معاً فذلك التوفيق القاضي بسعادة فريق لشقاء فريق، ولا نيأس من روح الله في إنالة أمتنا من ذلك ما تتنمناه، شعر بهذا بعض خاصتنا فطفقوا يلهجون بالتعليم والتعلم، وسرى هذا الشعور في كثير من العامة، ولكنه شعور إجمالي لا يشرح الحقيقة ولا يهدي إلى محجة الصواب.

      يذهب كثير ممن يسعون بإنشاء المدارس وتعميم التعليم إلى أن العلم الذي يكفل السعادة للأمة هو ما يعلم في مدارس الحكومة، كبعض اللغات الأجنبية والفنون الرياضية والطبيعية، والقوانين الأوروبية الذي يؤهلهم للوظائف لأن السواد الأعظم منا يرى أن الغاية من العلوم والفنون خدمة الحكومة، بمعنى أن يكون للإنسان وظيفة فيها تعطيه مالاً يعيش منه وجاهًا يعتز به، ولا يبالي مع ذلك بأي مجلى ظهر، وبأي لون اصطبغ، ومن ينحو بتعليمه هذا المنحى فهو جاهل، ومن يرمي بتعليمه إلى هذا الغرض فهو خاسر، لأنه غرض خسيس لا يتجاوز المنفعة الشخصية، ولا يبالي صاحبه بشقاء الأمة – بل ولا بفنائها – إذا كان وسيلة لمصلحته وطريقًا لمنفعته، وأجدر بتعليم هذا شأنه أن يعد من البلاء لا من النعماء، وأن يرغب عنه ولا يرغب فيه، وأن يسعى في إزالته لا في إنالته. والغاية الصحيحة التي نقصدها نحن وجميع العقلاء من التربية والتعليم هي التي شرحناها في مقالة (إلى أي تربية وتعليم نحن أحوج) من العدد السادس عشر، أعني ما يجعلنا أمة عزيزة سعيدة، يحافظ كل فرد منها على جامعته الجنسية والدينية والوطنية، ويشرب في قلبه أن ما أصاب أمته من حسنة فنعمتها شاملة له، وما أصابها من سيئة فمعرتها لاحقة به.

      ولقد قال أستاذنا الأكبر العلامة الشيخ محمد عبده كلمة بليغة في العلم الذي نحن أحوج إليه لإسعادنا وهي: (العلم ما يعرفك من أنت ممن معك) وإنها لكلمة حكيمة لمن وعاها وما يعقلها إلا العالمون.

      وإننا نذكر في هذه المقالة (ما لا بد منه) من الفنون لكل فرد من أفراد الأمة بحسب ما تقتضيه حالة العصر فنقول:

      (1) علم أصول الدين، أعني علم ما هي القضايا الأساسية للدين وما أدلتها وما وجه الحاجة إليه، وماذا كان من أثره وفائدته في العالم، لا البحث في غوامض علم الكلام، كالوجود، هل هو عين الموجود أو غيره، والصفات هل هي عين الذات أو غيرها أو لا عينها ولا غيرها، ولا ما ألحق به توسعًا في البحث وانطلاقاً مع الخواطر والأفكار وليس منه، كقول بعضهم إن خوارق العادات تصدر من جميع أصناف الناس مؤمنهم وكافرهم، صالحهم وفاسقهم، وإنما تترك أمثال هذه المباحث للذين يحبون الانفراد بالتوسع في الفن ومعرفة كل ما قيل فيه، ولا فائدة منها للجماهير إلا تهويش الأذهان، وربما أضرت بالعقول والأديان.

      (2) علم تهذيب الأخلاق وإصلاح العادات، فهو العون على التربية الصحيحة، ويحتاج في كماله إلى الفلسفة العقلية وعلم النفس.

      (3) علم فقه الحلال والحرام والعبادات (ويسميه الأتراك علم حال) وإنما فقهها أن تعرف على الوجه الذي تحصل به فائدتها للعامل بها، كأن تنهى الصلاة عن الفحشاء والمنكر لما تعطيه من مراقبة الله تعالى وخشيته، ويكف الصوم عن الشهوات ويبعث على الشفقة، وتمنع الحيلة في الزكاة وتعطى عن طيب نفس مع معرفة فائدتها في إصلاح حال الهيئة الاجتماعية والقيام بحقوق الإنسانية، ويلاحظ في الحج فائدة المساواة بين الناس حيث يقفون في صعيد واحد بهيئة واحدة لا زينة معها ولا طيب، ولا فرق فيها بين ملك ومملوك، وعظيم وصعلوك ] سواء العاكف فيه والباد [.

      وفائدة التعارف بين المسلمين والإخاء حيث يجتمع في تلك الأماكن المقدسة العربي والتركي والفارسي والهندي والصيني إلخ، ويتآخون في الله تعالى. وإني رأيت المسلمين لا يزالون يلاحظون معنى الإخاء في الحج ويسمون من يتعرفون به هنالك أخًا ونعما هي.

      وفائدة تمثلهم بهيئة الأموات الخارجين من الدنيا ومعاهدة الله تعالى على التوبة والإنابة والبر والتقوى، وفائدة الخضوع والامتثال لأمر الله تعالى ولو فيما لا يعقلون له معنى ولا يعرفون له فائدة، كرمي الجمار وتقبيل الحجر الذي لا ينفع ولا يضر كما قال عمر رضي الله تعالى عنه.

      (4) علم الاجتماع وأحوال البشر في بداوتهم وحضارتهم ومِلَلهم ونِحَلهم وعاداتهم وسائر شؤونهم.

      (5) علم تقويم البلدان (الجغرافيا) وقد مر بك الإيماء إلى فائدته وعظيم شأنه.

      (6) علم التاريخ وينبغي أن يتوسع كل أحد في معرفة تاريخ أمته وملته وبلاده، وأن يأخذ طرفًا من التاريخ العام. والتاريخ – ولا أزيدك به علمًا – هو مادة السياسة وممد العقل ومغذيه، والمفيض على الأرواح حب الجنس والوطن، والهادي النفوس إلى مصالح بلادها والمحافظة على استقلالها.

      (7) علم الاقتصاد الذي يبحث عن إنماء الثروة وحفظها، وهو من أركان المدنية الحاضرة، وما أضر بهذه البلاد (المصرية) إلا البعد عن العلم والعمل بالاقتصاد، ولما كان هذا العلم من مقومات الأمم والدول سمي (علم الاقتصاد السياسي).

      (8) علم تدبير المنزل وينبغي أن تتوسع البنات في هذا العلم؛ لأنه وظيفتهن، والعمل به منوط بهن، وجهلهن به داعي الخلل في المعيشة، ومن لم تكن أمور منزله منتظمة فلا عيش له وإن ملك الدنيا بحذافيرها.

      (9) علم الحساب ولابد من معرفة القدر اللازم منه للبنين والبنات، ويتوسع فيه الذكور؛ لأن الأعمال المالية الكبرى إنما تناط بالرجال.

      (10) علم حفظ الصحة (الهيجين) وهذا من أهم المهمات لتربية الأولاد وهناء العيش، فكم أسقم الجهل به صحيحاً وأمات مريضاً، وكم فتك بالأطفال فتك الأوبئة والأدواء، ومن نظر الإحصاءات الصحية في البلاد المتمدنة يعلم فائدة انتشار العلوم الطبية في الصحة العمومية.

      (11) علم لغة البلاد، ترى الإفرنج الذين يفتخر كبراؤنا ومدعو التمدن فينا بتقليدهم عن جهالة وعماية، يفتخرون بلغاتهم، ويدأبون على خدمتها، ويسعون في تعميمها، وقد جعلوها مناط الجنسية، فهلا قلدوهم في ذلك عوضًا من تقليدهم في تعلم لغتهم ؟! للغتنا العربية علينا من الحق ما للغة الإنكيزية على الإنكليز، والفرنساوية على الفرنساويين، ولها حق آخر علينا هو أقدس من سائر الحقوق، يوجب علينا إحياءها حتمًا وهو حق الدين الذي لا يمكن حفظه إلا بها، وهو ركن سعادتنا الدنيوية والأخروية، لست أعني بتعلم اللغة الذي جعلته مما لابد منه لكل فرد من أفراد الأمة حفظ متونها ومعاجمها، ومدارسة كتبها الأزهرية بحواشيها وتقاريرها، فإن ذلك ربما يمضي العمر على مُتوخّيه بغير ثمرة ولا فائدة، وإنما أعني أن يدرس التلامذة جميع ما يتعلمونه بلغة عربية فصيحة، وأن يتدارسوا الكلام العربي البليغ منظوماً ومنثوراً مع التفهم لمعانيه، وملاحظة أساليبه ومناحيه، لتنطبع في نفوسهم ملكة صحيحة يقتدرون بها على الإتيان بمثل ذلك الكلام بسهولة، ويضاف إلى هذا تلقينهم كتبًا مختصرة سهلة في النحو والصرف والمعاني والبيان بالطريقة المفيدة، وكل هذا يمكن تحصيله في مدة وجيزة إذا كانت الكتب سهلة والمعلم حاذقًا حكيمًا، فإن قيل: وأَنَّى يوجد هذا وذاك  أقول: متى وجد الطالب يوجد المطلوب:

      (12) فن الخط ولا تخفى فائدته على أحد.

      يؤخذ من هذه الفنون القدر اللازم، ولا بد مع تعلمها من الوقوف على مواضيع العلوم المتداولة في العالم وفوائدها وبعض مسائلها في الجملة، كما ألمعنا إلى ذلك آنفًا؛ ليكون كل فرد على بصيرة من حالة عصره؛ ولأن العلوم والفنون يتداخل بعضها ببعض ويمد بعضها بعضًا. وما وراء الذي شرحناه كالعلوم والفنون التي عليها مدار ترقي الصناعة والزراعة والتجارة، فيجب أن ينفرد لها طوائف من الأمة، وحيث كان التوسع فيها يتوقف على الاستعانة بكتب الإفرنج الذين أتقنوها وجنوا ثمارها، فينبغي أن يتعلم بعض لغات أولئك الأقوام طائفة منا لأجل ترجمة الكتب المفيدة في تلك العلوم.

      هذا ما عن لنا في هذا المقام، كتبناه على طريق الإجمال، فإذا سار عليه القائمون بتشييد المدارس نرجو أن يكون سعيهم مؤديًا لسعادة الأمة والوطن، وإلا كان إغواء وإضلالاً ووبالاً ونكالاً، فقد جربنا التعليم بغير الصيغة الدينية، فما زادنا إلا بلية ورزية، ونرجو ممن رأى في كلامنا هذا منتقدًا أن ينبهنا إليه، وربما نعود إلى الموضوع في فرصة أخرى، والله الموفق.

________________________

(*) فاتحة العدد الثلاثين الصادر في 24 جمادى الأولى 1316.