محمد رشيد رضا – مجلة المنار

الفداء والقداسة

 

  قد اعتاد ذلك الشاب القبطي الذي كان يحرر مجلة (بشائر السلام) على الارتزاق والتعزز عند قومه بدعوة المسلمين إلى النصرانية، ولما خُذلت تلك المجلة، ولم يجد مجلة ولا جريدة غيرها تقبل أن تستخدمه لينشر بضاعته المزجاة رأى أن يطبع منشورات في الدعوة إلى النصرانية، ويطوف في البلاد موزعًا لها ويظهر أن له من قومه أعوانًا يرضخون له إسعادًا على هذا العمل الذي يرون أنه يغيظ المسلمين، وربما يعتقد الغافلون منهم أنه ربما يشككهم في دينهم. وقد أرسل إلينا الكاتب نسخة من منشوره وكتب عليها ما نصه:

  (بما أني قد لاحظت من جريدتكم الزاهية شديد الغيرة للدفاع عن حوزة الإسلام بعثت إليكم بهذا الخطاب للرد عليه بمعرفتكم، ونشر الرد على صحيفتكم، وإن لم تستطيعوا لقوة البراهين الموردة فيه أرجوكم إذًا أن تعيروه انتباهكم وتعملوا بما فيه ودمتم).

  ومن البديهي أنه لم يرسل إلينا ذلك ويطالبنا بالرد عليه في المنار إلا لأجل إشهاره وإشهار نفسه، ولو كان قاصدًا إقناعنا بالأوهام التى سماها براهين لما طلب منا الرد عليها. ولعمري إن أمثال هذه الأوهام الصبيانية لا تستحق أن يرد عليها لأن العقل الذي يخشى أن يغتر بها يستحق بها أن لا يُبَالى به وأشرف للمسلمين أن لا يكون منهم. ولكننا مع هذا نذكر البرهان الذي قامت عليه هذه الدعوة أو هذه الديانة التي نسبت إلى المسيح عليه السلام بعد وفاته ورفعه إلى دار الكرامة عند ربه بقرون؛ ليحمد المسلمون ربهم على توفيقهم لهذا الدين القويم، ولتقوم حجته على المقلدين الغافلين.

  كان دعاة النصرانية يصورون مسألة الفداء بأنها الجامعة بين رحمة الله تعالى وعدله، فلا يتصور العقل (النصراني) أن يكون خالق السموات والأرض على أبدع نظام رحيمًا عادلاً إلا إذا حل في بطن امرأة من كرة صغيرة من مخلوقاته التي لا يعلمها غيره، ثم ولد منها فصار إنسانًا إلهًا ثم سلط عليه أعداءه فصلبوه. وقد بينا من قبل أن النصارى أخذوا هذه العقيدة عن الوثنيين (راجع المجلد الرابع من المنار أو الجزء الأول من كتاب شبهات النصارى وحجج الإسلام) وقد جاءنا المبشر القبطي في منشوره بتصوير آخر يشبه الأول، وهو أن الإيمان بواحدانية الله تعالى يعوزه الإيمان بأنه تعالى قدوس قال: (لأنه أهون عليه تعالى أن تشرك به آلهة كثيرة من أن تنفى عنه القداسة) ثم قال: (إنه لا يمكن أن يكون الله قدوسًا تلقاء معاملته لعالمنا الأثيم بهذه المعاملة إلا إذا اعتبرنا صحة الفداء) فانظر إلى هذه القداسة المتوقف عندهم إمكانها على اعتبارنا هذه العقيدة التي لا يستطيع العقل التصديق بها، وإن قال لسان المقلدين من النصارى: إن ذلك من عقائد قلوبهم.

  ما أضعف عقول المقلدين، يفسر لهم الشيء بضد معناه فيسلمون خاضعين، إن القداسة هي الطهارة والنزاهة، ومعنى كونه تعالى قدوسًا أنه جل جلاله منزه عن كل ما لا يليق بالألوهية من صفات المخلوقات وشئونهم كالتحول والانتقال والحلول في الأجسام والعجز وغير ذلك مما عبر عنه أحد أئمتنا بقوله: (كل ما خطر ببالك فالله تعالى بخلاف ذلك)، ولكن القداسة الإلهية عند النصارى لا تتحقق لله، بل لا تمكن إلا باعتبار اعتقاد طائفة صغيرة من خلقه وهم البشر ولو بعضهم بشرط أن يكون هذا الاعتقاد ضد القداسة، ونقيضها وهو أن ينتقل الخالق ويحل في بطن امرأة.. إلخ فما أعجب هذه القداسة!!! وأعجب منها أن يدعو أهلها إليها المسلمين الذين يقولون: إن الله تعالى قدوس بذاته من الأزل قبل أن يخلق النصارى والمسيح وكل البشر، وأن هذا الوصف واجب له لا يمكن انتفاؤه ولو كفر جميع البشر به لأن ما كان بالذات لا يزول إلا بزوال الذات، وأنه لا يتوقف على فداء ولا غيره، وإلا كان أمرًا اعتباريًّا لا ذاتيًّا. تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.

  يقولون: إن الغرض من هذا التفسير تنزيه الباري تعالى عن الرضى بالمعاصي والشرور التي عملها ويعملها الناس من لدن آدم إلى أن ينقرضوا، وفي هذا من التناقض نحو ما في سابقه لأنهم يزعمون أن من يؤمن بهذا الفداء لا يؤاخذه الله بذنب، وهذا هو عين الرضى بالمعاصي والشرور لأنه إباحة لها. أليس من العجائب أن يتصدى من يقول: إن الله لا يكون قدوسًا كارهًا للمعاصي إلا إذا أباحها إلى دعوة المسلمين لعقيدته وهم الذين يعتقدون أن من تقديس الباري وتنزيهه وعدم رضاه بالمعاصي أن جعل لكل معصية جزاء وعقوبة ليعتبروا ويتربوا بالنظر في تأثير أعمالهم في أنفسهم وفى الكون لأنه تفضل عليهم بالإرادة والعقل والاختيار في أعمالهم! فهل بعد هذا التقديس والتنزيه من تقديس وتنزيه؟

  وقال مجيبًا عن قول المسلمين: (إن الله غفور رحيم) إن الرحمة والمغفرة لا يمكن أن يكونا بغير الفداء؛ لأنهما حينئذ من الرضى بالمعصية، وضرب لذلك مثل الجاني يعفو عنه الحاكم الظالم حبًّا فى الظلم وارتياحًا له كأنه يقول: إن الحاكم إذا سمح لرعيته بأن يرتكبوا جميع الفواحش والمنكرات وقتل ابنه البريء فداءً عنهم يكون عادلاً رحيمًا حكيمًا نزيهًا؛ لأنه عاقب البريء وجعله فدية للأثيم!! وأي ظلم وجور وقسوة وحب للآثام والجرائم أشد من هذا؟ ولكن التقليد يعمي البصر والبصيرة ويطفئ نور الفطرة حتى لا يكون بدعًا عند صاحبه قلب الحقائق وتفسير النقيض بالنقيض. ومن العجيب – وأي قولهم ليس بالعجيب – أن صاحب هذا السخف يدعو إليه المسلمين الذين يعتقدون أن رحمته تعالى قضت أن تكون عواقب المعاصي كلها سيئة؛ لتكون أعمال الناس عبرة لهم وسببًا لتربيتهم وترقيهم بعلمهم وعملهم، وأنه تعالى قرن وعد المغفرة بالتوبة، ووعد الرحمة بإحسان العمل فقال: ” وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى “ (طه: 82) وقال: ” إِنَّ رَحْمةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ المُحْسِنِينَ “ (الأعراف: 56) ونهى عن اليأس من رحمته مهما أذنب العبد لتدوم رغبته في فضل الله وقال: ” إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ “ (هود: 114) لأن آثار الحسنة في النفس ضد آثار السيئة، والمراد من الدين ترقية النفس ليرجع المؤمن عن ذنبه ويتوب عالمًا بفائدة التوبة، ومعنى المغفرة.

  ثم إن صاحب المنشور حاول أن يجيب عن الاعتراض الذي طالما وجهناه إليهم قولاً في مجتمعهم وكتابة في المنار، وهو أن كون الفداء هو الذي يحقق اتصاف الباري بالرحمة والعدل (وزد هنا القداسة) يقتضي أن يكون الله تعالى قَبْلَ صلبِ المسيح غير عادل ولا رحيم ولا قدوس فهذه الصفات إنما حدثت له على رأيهم وإيمانهم منذ ألف وتسعمائة سنة تقريبًا، ولكن العقل يدل على أن صفاته تعالى كلها قديمة بقدمه وكذلك كتبهم فإن إبراهيم وولده ومن قبلهم من الأنبياء كانوا يقدسون الله تعالى ويصفونه بالرحمة والعدل، فهذه العقيدة ينقضها العقل والنقل.

  فقال في جوابه: (إن الفداء وإن كان تم بعد خلق العالم بقرون فإن صاحبه وعد به من بدء العالم ورمز إليه بالقرابين فابتدأت أثماره تظهر من ذلك الحين) اهـ، ونقول في جواب الجواب: بخ بخ لهذه البراهين التي لا يقوى أحد على نقضها، بل يا أسفى على الفطرة البشرية التي يبلغ التقليد إلى هذه الغاية من إفسادها. إن القرابين وجدت في الملل الوثنية، فهل كان الوثنيون ناجين ومقربين إلى الله بها؟ وهل كان هذا القرب والرضوان الإلهي لأنهم وعدوا من كهنتهم بأن الله سيصلب نفسه بعد في جسم بشري يولد من فرج امرأة لأجلهم، وجعلت هذه القرابين رمزًا لذلك؟ إن الوثنيين قد سبقوا النصارى إلى خرافة الفداء؛ إذ قالوا: إن الإله أودين رمى نفسه في نار عظيمة فأحرقها فداءً عن عباده (راجع ص448م4 أو المقالة الخامسة من الجزء الأول من كتاب شبهات النصارى وحجج الإسلام)، ثم إنه لم ينقل عن إبراهيم خليل الرحمن ولا عن إدريس (أخنوخ) الذي رفعه الله إليه أنهما كانا يقولان بهذا الفداء أو يشيران إلى هذا الرمز الوثني فهل كان التوحيد ذنبًا لهما، ولغيرهما من الأنبياء وكان الوثنيون المتقدمون هم الناجين؟ وكذلك موسى لم يقل به، بل لم يقل به أحد إلا هؤلاء النصارى.

  هذه هي خرافة الفداء وهذه قيمة شبهة القرابين التي هي عندهم البرهان المبين، ومن العجائب أن أصحابها يدعون إليها المسلمين الذين بيَّن دينهم حكمة القرابين بما يليق بحكمة الباري ويتفق مع تقديسه وتنزيهه في قوله تعالى: ” لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ “ (الحج: 37) الله أكبر الله أكبر، لمع الحق وظهر، وتلاشت شبهة الذي كفر، وبطل قول صاحب المنشور لمنكر الصلب والفداء: (واحذر كل الحذر من إنكار ذلك، وإلا كنت منكرًا لقداسة الله، وليس على وجه الأرض كفر أعظم من هذا، فالمشرك والملحد وعابد الصنم يكون في يوم الدين ألطف حالاً من منكري الصلب الذي هو قداسة الله ورحمته وغفرانه) وعلم أن الحق نقيض قوله، وهي أن العقيدة تنافي ذلك، وحسبك أن صاحبها يفضل الملحد على المؤمن الذي ينكرها. فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين.

 ________________________