محمد رشيد رضا – مجلة المنار

فتح اليهود لباب الفتنة في القدس

التمهيد لانتزاع المسجد الأقصى من المسلمين

بالاستيلاء على جداره الغربي وما حوله

 

تمهيد في السياسة البريطانية

للدولة الإنكليزية مكايد وحِيَل في انتزاع الممالك من أهلها واستعبادهم وفي ضرب الشعوب بعضها ببعض (كالسيل يقذف جلمودًا بجلمود) في سبيل منافعها قد أتقنتها منذ شرعت في الاستعمار إلى هذه الحرب العامة الأخيرة التي استخدمت فيها لمصلحتها الشعوب الهمجية والمدنية والوسط بينهما حتى إنها جعلت الولايات المتحدة الأميركية آلة في يدها وجعلت رئيسها العظيم ويلسن كأنه والٍ من ولاتها أو راجًا من رجوات إمبراطوريتها الهندية، وقد غرَّها النجاح في هذا الكيد حتى أقدمت في عقب هذه الحرب على أمر عظيم ما أظن أنها درسته من جميع وجوهه كعادتها.

ذلك الأمر العظيم هو أنها وضعت نصب عينيها استعباد الأمة العربية وجعل جزيرتها المنيعة التاريخية ومعاهدها الدينية المقدسة تحت سلطانها، وهذه المعاهد هي المساجد الثلاثة: المسجد الحرام بمكة المكرمة والمسجد النبوي المحمدي في المدينة المنورة والمسجد الأقصى في بيت المقدس.

وقد أتاحت لها الحرب الاستيلاء العسكري والسياسي على الثالث ثم استخدمت لقتل الأمة العربية وإفنائها في هذا القطر (فلسطين) الشعب اليهودي جريًا على عادتها في قذف الشعوب بعضها ببعض، وبدأت من التمهيد للاستيلاء على الحجاز باستخدام الشريف عبد الله ابن الشريف حسين منفي قبرص اليوم، وملك العرب وخليفة المسلمين بوهمه بالأمس، فكاد لأخيه الشريف علي الذي تَمَلَّك على الحجاز محصورًا في جدة عند خروج والده منه بأن أغراه بالذهب الإنكليزي وبنصر الإنكليز إياه على ابن السعود على أن يصدر إرادته السنية بجعل منطقة العقبة و معان أهم مواقع الحجاز البحرية الحربية تابعة لشرق الأردن التي جعلها هو داخلة في دائرة الإمبراطورية البريطانية باسم الانتداب، ثم بعقده مع هذه الدولة معاهدة تجعل شرق الأردن وما ألحق به من الحجاز موقعًا حربيًّا للدولة الإنكليزية لها الحق في استخدام أهله وماله في الحرب: حرب من ! حرب الأمة العربية طبعًا إذ لا يوجد غيرها، ولما قامت أهالي البلاد تنكر هذه المعاهدة قاومهم الأمير الشريف ابن الشريف ابن الشريف بالقوة والقهر بمساعدة رئيس حكومته حسن خالد بك نجل القطب الشهير الشيخ أبي الهدى أفندي (الصيادي الرفاعي الحسيني بدعواه).

ربما تكون الدولة الإنكليزية قد درست حال الأمة العربية درسًا اعتقدت به أن الاستيلاء عليها ممكن بضرب بعضها ببعض، وذلك بجعل حاكمي العراق و شرق الأردن عدوين لابن السعود حاكم الحجاز و نجد فإن صح هذا – وقد يكون غير صحيح – فما أراها قد درست المسألة اليهودية الصهيونية من كل وجه فإن العرب إذا كانوا لا يزالون جاهلين متفرقين، ولا يزال يوجد الخونة في أكبر بيوتاتهم، فاليهود ليسوا كذلك بل هم أعظم كيدًا ومكرًا من الإنكليز، وإن كانت قد استخدمتهم في الحرب المدنية الكبرى لاستمالة الولايات المتحدة إليها وفي بث روح التمرد في ألمانية للامتناع عن الحرب وطلب الصلح على قواعد ولسن.

نعم إنها استخدمتهم واعدة إياهم بجعل فلسطين وطنًا قوميًّا لهم تمهيدًا لامتلاكها وتجديدًا لملك اليهود فيها تحت سيادتها، وهي تعلم أن الغرض الأعظم من هذا الملك إعادة هيكل سليمان لهم لإقامة شعائر دينهم وقرابينهم فيه، وتعلم أن مكان الهيكل في عرفهم هو المسجد الأقصى، وتعلم مكانة المسجد الأقصى عند المسلمين عامة والعرب خاصة وعرب فلسطين بالأخص، ولكن هل تعلم مع هذا أن عند المسلمين من دلائل النبوة وأخبار الرسول صلوات الله عليه وسلامه المتعلقة بهذه المسألة ما هو أصرح مما عند اليهود من مثل ذلك من أنبيائهم ؟ ما أظن اللورد بلفور الذي ابتكر عهد الوطن القومي ووعد به الصهيونيين يعلم ما عند المسلمين من الأحاديث النبوية في قتال اليهود ببيت المقدس، وما أظن أنه يؤمن بصحة ما عند اليهود من (النبوات) في ذلك، وما أظن أن وزير المستعمرات البريطانية وسائر أعضاء الوزارة بأعلم من اللورد بلفور في ذلك.

فإن كان ظني في غير موضعه فالحكومات الإنكليزية من عهد ابتكار اللورد بلفور لعهده إلى الآن متعمدة حشر ما يمكن من اليهود في فلسطين ؛ لأجل إيقاد نار الفتنة بينهم وبين العرب بوازع الدين في الفريقين ومساعدة اليهود على العرب لأجل جعل هذه المنطقة من بلاد العرب يهودية بريطانية فاصلة بين عرب مصر وعرب سورية والعراق، فإن لم يكن فأقل فائدتها من ذلك أن يكون كل من الفريقين المتكافئين فيها معتمدًا على سلطانهم وحاكمهم في حفظ نفسه من الآخر.

اليهود الصهيونيون يسوقون سائر اليهود إلى امتلاك البلاد وانتزاع المسجد الأقصى من المسلمين بسائق العقيدة الدينية وقد كان من أنباء هذا الشهر أنهم فتحوا باب الفتنة قبل أن يكون لهم الغلب العددي والحكمي في البلاد.

***

مسألة المبكى أو البراق وهو الجدار الغربي من الحرم الأقصى

كان يقال: إن اليهود يعتقدون أن كسارة ألواح موسى عليه السلام مدفونة تحت الجدار الغربي من سور الحرم الشريف ببيت المقدس فهم يجتمعون هنالك يبكون ويحيون ذكر مجدهم الديني في هيكلهم، والمسلمون يروون أن البراق الذي ركبه النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء قد ربط بهذا الجدار فله مزية عندهم على سائر جدران المسجد ويسمونه (البراق)، وقد كان من تسامح المسلمين وتساهلهم أن سمحوا لليهود بما ذكر في أيام ضعف اليهود وسلطان المسلمين فطمع هؤلاء بعد الاحتلال البريطاني ومشروع الدولة في تنفيذ عهد بلفور لهم حتى حاولوا في هذا العام الاستيلاء على هذا الجدار وما حوله من بناء على أنه معبد لهم، وصاروا يضعون هنالك الكراسي والمناضد والأضواء في وقت اجتماعهم حتى كان من عدوانهم في عيد الغفران لهم ما يأتي بيانه، وهم يعلمون كما تعلم الحكومة البريطانية في لندن وفلسطين أن هذا من الأوقاف الإسلامية الثابتة بالتواتر، وكان من قواعد ما يسمونه الانتداب في فلسطين أن المعاهد الدينية لجميع الملل تبقى على حالها لا يسمح لأحد بالاعتداء عليها، ولكن عامة اليهود الصهيونيين يعتقدون أنهم ما جلبوا إلى فلسطين إلا لإقامة ملك سليمان فيها وجعلها وطنًا لهم دون غيرهم، فاستعجلوا في هذا العام بالتمهيد لإعادة هيكل سليمان الذي حل محله مسجد الصخرة بامتلاك الجدار الغربي من الحرم وهو أقرب الجدران إلى جامع الصخرة.

وإننا نبدأ في بيان عملهم في هذا الشهر وبعض ما أثاره في البلاد ببلاغ حكومة فلسطين الرسمي فيه وهذا نصه:

بلاغ حكومة فلسطين

في مساء 23 أيلول الجاري أي ليلة عيد الغفران (يوم كيبور) رفع متولي وقف أبي مدين الذي يقع ضمن دائرته الرصيف ومنطقة البراق (المبكى) شكوى إلى جناب حاكم مقاطعة القدس بأن حاجزًا قد أنشئ على الرصيف الملاصق للبراق، وأدخل إليه أشياء أخرى تخالف العادة المتبعة كقناديل كاز وعدد من الحصر وهيكل أكبر من الحجم الاعتيادي، فزار حاكم المقاطعة البراق في أثناء صلاة المساء، وقرَّر عملا بالعادة التي أقرتها الحكومة وجوب رفع الحاجز قبل إجراء الصلاة في اليوم التالي، وأعطى تعليمات بهذا المعنى إلى الشماس القائم بترتيبات الصلاة في البراق محتفظًا بقرراه في مسألة القناديل بإزالته صباح اليوم التالي باكرًا، وقبل تأكيداته بتنفيذ تعليماته، وبلغ في ذات الوقت ضابط البوليس البريطاني القائم بالوظيفة ضرورة رفع الحاجز من مكانه إذا لم يقم بتعهده.

فزار ضابط البوليس صباح اليوم التالي البراق، ورأى أن الحاجز لا يزال في مكانه فسأل القائمين بالصلاة أن يرفعوه من ذلك المكان غير أنهم أجابوه بأنهم لا يستطيعون ذلك نظرًا لقداسة ذلك اليوم فرفعه عندئذ رجال البوليس بنفسهم، ولم يكن المصلون عمومًا قد اطلعوا على ما جرى سابقًا، فعندما رأوا البوليس يرفعون الحاجز الذي استعمل لفصل النساء عن الرجال هاجوا وسعى بعضهم لمنع البوليس من رفعه بالقوة، وأخيرًا رفع الحاجز.

ويعتبر جلب الحاجز ونصبه على الرصيف تعديًا على الحالة الراهنة مما لا يمكن الحكومة السماح به، غير أن الحكومة تأسف لما حصل من الخوف والانزعاج لجماعة كبيرة من المصلين في يوم مقدس كهذا لليهود، وقد علمت الحكومة أن المراجع اليهودية قد جازت الشماس المسئول عن الحادث بما يستحق على عمله، وقد شددت الحكومة عليهم في ضرورة مراجعة موظفي الحكومة المسئولين عن التدابير المسموح باتخاذها في أثناء الصلاة في البراق في أعياد اليهود الرسمية التي أبديت للمراجع اليهودية عند وقوع مثل هذه الحوادث في البراق في سنتي 1922 و1925 وهذه السنة أيضًا.

ولم يكن هنالك وقتئذ ضابط بوليس يهودي ؛ لأن جميع البوليس اليهود كان قد أجيز لهم التغيب عن الخدمة يوم عيد الغفران، وستمعن الحكومة النظر في ضرورة وجود ضابط بوليس يهودي في المستقبل بين الذي يرسلون إلى البراق للمحافظة في أعياد اليهود الخطيرة، وفي الختام ترى الحكومة بأن رفع الحاجز كان ضروريًّا غير أنها تأسف لما وقع من جراء رفعه. انتهى.

وقد جاء في جريدة الجامعة العربية الغرَّاء التي تصدر في القدس الشريف بعد نشر هذا البلاغ ما نصه:

والقارئ لهذا البلاغ يشعر أن الحكومة قد وقفت موقف الضعف محاولة ستر اعتذارها لليهود بأنها تمسكت بوجهة نظرها في ما اتخذته من الإجراءات ضدهم في البراق، وقد كنا نحب أن تظل الحكومة واقفة موقف الحزم، سالكة السبيل الذي يقضي به الحق والعدل والتعامل القديم في مسألة البراق، وأن لا يؤثر عليها هذه المناورات التي يقوم بها اليهود من أجل أمر لا حق لهم فيه على الإطلاق.

وقد اتصل بنا من مصدر موثوق أن اليهود قد طلبوا من الحكومة الإذن للقيام بمظاهرة عامة واسعة النطاق يحضرها أفراد عديدون من اليهود من سائر جهات فلسطين، وذلك في يوم الإثنين (اليوم) حيث تذهب جموعهم إلى البراق بالأناشيد بقصد التمويه والتأثير على الحكومة.

***

هياج الرأي العام الإسلامي والدعوة إلى عقد اجتماع

ولما اتصل بالمسلمين في القدس خبر عزم اليهود على القيام بهذه المظاهرة هاجوا هياجًا عظيمًا وفكروا في ضرورة اتخاذ التدابير اللازمة لرد عادية اليهود فتأسست لجنة من أهل الحمية والغيرة طبعت منشورًا دعت فيه المسلمين إلى حضور اجتماع عام في المسجد الأقصى بعد صلاة العصر (أمس)، وقد وصلتنا صورة من هذا المنشور فأثبتناها في ما يلي:

نداء عام إلى إخواننا المسلمين كافة

أيها المسلمون: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

تعلمون أنه قد حدث في هذه الأيام محاولة الاعتداء على مكان البراق المجاور للمسجد الأقصى الذي إليه كان إسراء النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، وقد ظهر من هذه المحاولة التي تكررت أمثالها من قبل على غير جدوى، أن القوم الطامعين في الاعتداء على الجانب الغربي من سور المسجد الأقصى مصممون على الأخذ بكل وسيلة للطمع في حقكم وحق جميع المسلمين في هذا البيت العظيم من بيوت الله المقدسة.

وإزاء هذه الحالة يتطلب الواجب الديني من كل مسلم أن ينظر بعين الجد واليقظة فيما يَدْهَم المسلمين من خطر عاجل، ولذلك فقد [1] أوجبت خطورة الحالة على المسلمين أن يتشاوروا في هذه الحالة ابتغاء اتخاذ الحيطة لوقاية بيت الله من الاعتداء وتقرير ما ينبغي تقريره في هذا الشأن الخطير من اتخاذ الوسائل المشروعة القانونية لدى الحكومة والمراجع الإيجابية.

وعليه فإننا ندعو كل مسلم في هذا البلد المقدس إلى حضور صلاة العصر في المسجد الأقصى في هذا اليوم (الأحد) الواقع في 16 ربيع الثاني سنة 1347 الموافق 30 أيلول سنة 1928 وإننا نتوسل إليكم المبادرة إلى حضور هذه الصلاة بوقتها، آملين من غيرتكم تلبية النداء والسلام عليكم ورحمة الله، اللجنة الداعية.

القدس في 16 ربيع الثاني سنة 1347

***

في المسجد الأقصى

وعند صلاة العصر اجتمع ألوف من المسلمين في المسجد الأقصى فبعد الصلاة خطب كل من الشيخ عبد الغني أفندي كامله و عزت أفندي دروزة والشيخ حسن أفندي أبو السعود في الحاضرين وأوضحوا لهم مقاصد اليهود في محاولاتهم الموجهة إلى البراق الذي هو السور الغربي للحرم الشريف، وبعد ذلك أعد الحاضرون مضبطة إلى فخامة المندوب السامي يحتجون فيها على أعمال اليهود العدائية، وما أدت إليه من هيجان في الرأي العام كما أعدوا مضبطة أخرى طالبين فيها أن تسمح الحكومة بإقامة المظاهرات السلمية في القدس وسائر أنحاء فلسطين والاحتجاج إلى وزارة المستعمرات وملوك المسلمين وأمرائهم والشعوب والصحف الإسلامية وإلى عُصْبَة الأمم وقد انتخبوا لجنة تنفيذية لتنفيذ هذه المقررات سننشر أسماء أفرادها فيما بعد.

ونظرًا لضيق الوقت ننشر نص المضبطتين في العدد القادم.

وقد بلغ هياج الرأي العام بين المسلمين مبلغه في السخط على هذه الأعمال التي يقوم بها اليهود، وهذه الدعاية التي يبثونها في فلسطين أو في الخارج ويعجبون من الوقاحة التي دعت اليهود لأن يفكروا في الاعتداء على حق مقدس للمسلمين لا يتصور أحد من المسلمين أن يفرط في ذرة منه ما دام فيه عرق ينبض وسيرسل المجلس الإسلامي الأعلى إثر ذلك تقريرًا شديد اللهجة إلى الحكومة موضحًا فيه خطورة الحالة، مطالبًا منها تدارك الأمر بما يطمئن خواطر المسلمين ويهدئ من ثوران نفوسهم المهتاجة.

هذا وإننا نوجه كلمتنا الأخيرة إلى الحكومة وإلى إدارة الأمن العام طالبين منها أن تضرب على أيدي اليهود الطامعين فيما ليس لهم حق فيه، والعاملين على العبث بالأمن العام، وموجهين نظرها إلى أن التساهل في مسألة حساسة خطيرة كهذه قد يؤدي إلى ما لا تُحْمَد عُقْبَاه ؛ لأن المسلمين في فلسطين لا يمكن أن يفرطوا قط في ذرة من حقوقهم في هذا المكان الذي يشكل الجدار الغربي للمسجد الأقصى الشريف أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ونخشى أن يتعدى الهياج القدس إلى سائر بلدان فلسطين، ثم إلى العالم الإسلامي كافة إذا لم تتدارك الحكومة الأمر بالحزم والشدة اهـ.

 

(المنار)

قد قام رئيس المجلس الإسلامي الفلسطيني صاحب السماحة السيد محمد أمين الحسيني مفتي القدس وأعضاؤه بما يجب عليهم من السعي لدرء هذه الفتنة من طريق الحكومة كما فعلوا الواجب من ناحية تنبيه المسلمين كما يجب عليهم في ذلك، وحسبنا نشر هذا الكتاب مبينًا لتلك المساعي الرسمية في ذلك.

***

كتاب المجلس الإسلامي الأعلى بشأن حوادث البراق إلى فخامة المندوب السامي

فخامة المندوب السامي:

(عطفًا على جميع المخابرات التحريرية والمحادثات الشفهية التي جرت بين المجلس الإسلامي الأعلى وبين الحكومة المركزية بالقدس، قديمًا وحديثًا، بشأن البراق الشريف، (جدار الحرم الغربي) نلفت نظر فخامتكم إلى ما يأتي:

1 – أن هذه الناحية من الجدار المذكور، هي مكان البراق الشريف نسبة لبراق النبي محمد صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وأن المسلمين في جميع أقطار الأرض يحتفلون كل سنة بذكرى هذا الإسراء الذي جاء نصًّا في القرآن الكريم.

2 – أن هذا الجدار هو جدار المسجد الأقصى ثالث الحرمين الشريفين، الذي هو عند المسلمين عامة بمنزلة حرم مكة المشرفة وحرم المدينة المنورة.

3 – أن كل جزء من الحرم الشريف وكل جدار يحيطه بما فيه هذا الجدار الترابي هو في عقيدة المسلمين جزء لا يتجزأ من المسجد الأقصى المبارك الذي أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى فضل زيارته والصلاة فيه، وشد الرحال إليه، من أدنى الجهات وأقصاها.

من هذا كله يُعْلَم أن المسجد الأقصى وكل جزء من الحرم الشريف القدسي، وخصوصًا هذه الناحية من الجدار الغربي التي هي مكان البراق الشريف، له مكانة مقدسة عظمى عند المسلمين عامة في مشارق الأرض ومغاربها، وأنهم يتعلقون بهذا المسجد المبارك المذكور في القرآن الكريم تعلقًا دينيًّا شديدًا مقرونًا بالإجلال والتعظيم.

ونظرًا لهذه المكانة العظمى للمسجد الأقصى والحرم الشريف عند المسلمين فقد دأبوا منذ بضعة عشر قرنًا على المحافظة عليه بشتى الوسائل فأنشئوا حوله المدارس والزوايا وحبسوا الجهات المحيطة به أوقافًا – كما يشاهد الآن – وخصوصًا فيما يحيط بناحية البراق الشريف، فهي وقف على زاوية القطب الشهير سيدنا أبي مدين الغوث (قدَّس سره) والمغاربة.

بل بالنظر لأهمية هذا المكان أيضًا – لم ترض الحكومة العثمانية – رغم ما بذله اليهود وزعماؤها في جميع العالم من شتى الوسائل والتقرب والالتماس أن يتعدوا الزيارة المحضة التي تساهل بها سكان ذلك الحي حينئذ لجميع الطوائف، كما يظهر من قراراتها العديدة، وخصوصًا قرار مجلس الإدارة العثمانية الأخير في القدس الذي تعلمه الحكومة.

ومن البديهي أنه لو كان بحسبان المسلمين أن اليهود سيطمعون هذا الطمع يومًا ما سمحوا لهم حتى بمجرد الزيارة.

فعليه استرسال اليهود منذ الاحتلال إلى اليوم في محاولاتهم بمختلف الطرق والدعاية الخارجية والداخلية لإحداث حق لهم، وبذلهم الجهود متطلعين إلى استملاك هذا المكان الشريف من أيدي المسلمين، هو أمر بظاهره وباطنه تَحَدٍّ عنيف للمسلمين فيما هو أقدس أماكنهم الدينية.

ومن الظاهر أنه إذا ظل اليهود في استرسالهم هذا ولم يجدوا من الحكومة حزمًا حاسمًا يلزمهم التقيد المطلق بالزيارة المحضة على نحو قرار مجلس الإدارة المذكور فلا بد بطبيعة الحال أن ذلك يؤدي إلى عواقب وخيمة، وإن المجلس الإسلامي الأعلى المعبر عن رأيه ورأي المسلمين كافة في هذه القضية الخطيرة لا يرضى بصورة من الصور التساهل في تمكين اليهود أن يغيروا تلك الحالة أو يخرجوا عنها بأي شكل كان، ويطلب من الحكومة بإلحاح وضع حد حاسم نهائي لمحاولاتهم وأطماعهم في هذا المكان الشريف ويلفت نظرها إلى أن استمرار هذا الأمر غيرَ محسوم ولا مقطوع به يوصل الحالة العامة عند المسلمين إلى طور لا تخفى عاقبته على حكمة الحكومة البريطانية كما بدا من حالتهم اليوم إثر الحوداث الأخيرة.

ولما كان اليهود لا يزالون إلى هذا الساعة يضعون بعض أدوات من كراسي صغيرة ومائدة وخزانة ومصابيح، فإن المجلس الإسلامي الأعلى يحتج باسم جميع المسلمين في العالم على هذا بكل قوة، ويرجو من الحكومة أن تتفضل بالمبادرة إلى رفع هذه الأدوات جميعها من أماكنها رفعًا دائمًا، مع إخطار اليهود بأن لا يعودوا إلى وضع أي شيء منها مرة أخرى.

وهنا نقطة أخرى جزع المسلمون لها جزعًا شديدًا، وهي إرسال ضابط يهودي إلى البراق إرضاء لليهود، فإن في ذلك ما يزيد الأمر استفحالاً، ويشجع اليهود فيزيدون في أطماعهم زيادة تجعلهم يسترسلون في الاعتداء شيئًا فشيئًا، فضلاً عن أن هذا الأمر لا ينفي أن يكون الضابط اليهودي متعصبًا يتناول المغاربة المسلمين سكان المكان بألوان من التعدي وسط هذا الحي الإسلامي البحت أثناء دخولهم إلى منازلهم وخروجهم منها.

ولذلك فإن المجلس الإسلامي يطلب بإلحاح أن تعيد الحكومة نظرها في المحاذير التي تنشأ عن وجود ضابط يهودي في محل إسلامي محض، ليس لليهود فيه أقل حق، ويخشى أن يتخذ اليهود من وراء ذلك أسبابًا لإثبات حق لهم، بوجود ضابط يهودي، وهو يطالب أن يكون الضابط مسلمًا ليأمن المسلمون على هذا المكان المقدس وليطمئن أهل الحي وسكانه من المغاربة المسلمين.

وبالنهاية يرجو المجلس الإسلامي من الحكومة أن تتفضل باعتبار ما بسطه في هذا الكتاب بصدد مسألة البراق أنه من الأمور الخطيرة التي يرجو هو والمسلمون من الحكومة سرعة تلافيها بما يحفظ حقوق المسلمين غير منتقصة ويوقف اليهود وقفًا نهائيًّا عند الحالة المذكورة لهم.

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.

رئيس المجلس الإسلامي الأعلى

   محمد أمين الحسيني

(المنار)

هذا وإن جريدة الجامعة العربية لا تزال تأتينا من القدس الشريف بأخبار هذه الفتنة وتهييج اليهود للمسلمين بعدوانهم وتظاهرهم واحتجاج هؤلاء من بلاد فلسطين وغيرها من سورية ومصر على اليهود من جانبهم بالدعاية وتماديهم في العدوان وغرورهم بلين الحكومة البريطانية لهم وتعيينها شرطيًّا (بوليسا) منهم للمحافظة على مكان الفتنة.

وإننا ننصح للحكومة البريطانية بأن تقمع الفتنة وتسد بابها قبل تفاقمها ولعلمها بأن البخاري ومسلمًا وغيرهما قد رووا لنا أن نبينا صلوات الله وسلامه عليه قد قال: (تقاتلكم اليهود فتسلطون عليهم حتى يقول الحجر: يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله) ونخبرهم بأن علماء المسلمين فسروا مثل هذا الحديث بأنه إنما يقع مضمونه قبيل قيام الساعة عندما يظهر الدجال الذي يدعي أنه هو المسيح الذي ينتظره اليهود فيقومون معه ويقاتلون المسلمين، ولأجل هذا لا يخطر في بال مسلم أن يعتدي على أحد من اليهود قبل ذلك الوقت فإذا أراد اليهود التعجل به فيجب أن تمنعهم الحكومة الإنكليزية، ومن أنذر فقد أعذر، وسنعود إلى الكلام في هذه المسألة إذا ظلت الفتنة قائمة إلى وقت تحرير الجزء السابع من المنار.

________________________

(1) هذا التعبير من خطأ الجرائد الذي سرى إلى جميع طبقات الكاتبين بالعربية، والصواب في مثله من الجمع بين لام التعليل وفاء السببية تقديم الفاء ؛ لأن ما بعدها لا يعمل فيما قبلها بأن يقال هنا فلذلك أوجبت الحالة أو أوجب خطر الحالة كذا إلخ.