محمد رشيد رضا – مجلة المنار

الحياة الزوجية

(5)

 “ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون “ [*].

(الركن الثاني من أركان هذه الحياة: المودة)

تكلمنا في المقالات الأربع السابقة من هذا البحث عن الركن الأول من أركان الحياة الزوجية، وهو سكون كل من الزوجين إلى الآخر، وبَيَّنا أنه يتوقف على حسن اختيار كل منهما للآخر، وهذا الركن الخاص بالزوجين عليه تبنى سعادتهما وهناء معيشتهما، وتَحققه شرط لتَحقق الركنين الآخرين، أو كمالهما، وهما المودة والرحمة، وبتحقق الأركان الثلاثة تكمل فائدة هذه الحياة الفائدة التي أرشدنا الله تعالى إلى طلبها منه بقوله في صفات المؤمنين “ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً “ (الفرقان: 74).

أما الركن الثاني، وهو المودة فليس خاصًّا بالزوجين؛ لأن المودة تصل بين عشيرتيهما بما تصل به بينهما ولذلك لم يقل (لتسكنوا إليها وتودوها) بل قال “ وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً “ (الروم: 21) والخطاب للناس لا للأزواج خاصة؛ أي أنه جعل من مقتضى الفطرة البشرية التواد بينكم بسبب الزوجية بين الزوجين، ومن يتصل بهما بلحمة القرابة والنسب كما هو معروف بالاختبار فيمن سلمت فطرتهم من الفساد، وعرفوا قيمة الحياة الاجتماعية فعاشوا عيشة الاجتماع لا عيشة الأفراد، وما زال البشر يعدون المصاهرة من أسباب العصبية بين البيوت والعشائر والقبائل، بل نرى الأمراء والملوك يحاولون بمصاهرة بعضهم بعضًا التواد والتناصر بين دولهم، أو تخفيف العداء والتنافر بين أممهم، حتى إنهم ينبذون لذلك مذاهبهم الدينية كما فعلت الأميرة الجرمانية التي تزوج بها قيصر روسيا؛ فهذه سنة من سنن الفطرة عرفها البدو والحضر، وجرى عليها أدنى القبائل همجية، وأعلى الشعوب مدنية، وتنكبها أناس مذبذبون كاد يخرج بهم فساد الفطرة عن البشرية.

نرى ونسمع في هؤلاء الذين خلقوا على صورة الإنسان من التخاصم والتنازع مع أصهارهم وأختانهم – ما لا نرى نظيره، ولا نسمع بمثله في أهل الأضغان الموروثة والأحقاد المتسلسلة، يرى أحدهم نعمة الآخر قذى في عينيه وحرجًا في صدره، ويعد شرفه إذا ارتفع خافضًا لقدره، فهو أنكى حاسديه، وأنكأ جارحيه، وأول المتربصين للوثبة عليه.

لم يقف تأثير اعتلال الفطرة في نفوس هؤلاء عند تنكيث المفتول، وتشتيت الملموم وتقطيع الموصول، بل أوغل في النفس إلى مواضع الشعور بالحاجة إلى الاعتصام، والإحساس برزايا الانفصام، فتخدرت الأعصاب، وانطمست البصائر والألباب، وانتكس الطبع، وانعكس الوضع، فصارت أسباب المودة والالتئام، عللاً للتباغض والانقسام، وانقلبت معارج الشرف والرفعة مدارج للتسفل والضعة وأمسى ما يكتسب لأجله يكتسب به، وما يتعزز به يعتز عليه، ولا يعتد بشيء من هذا خروجًا عن سنن الفطرة، ولا اعتداء لحدود الشريعة، وإنما يحسب من أمور الحزم، وطرق القيام بالمصالح.

لو أحب الأزواج أنفسهم حبًّا صادقًا وسكن بعضهم إلى بعض ذلك السكون الطبيعي لوادَّ كل منهما الآخر ووادَّ لأجله أهلَه وعشيرته بلا تكلُّف ولا تعمل، وأحس بأن قوتهم قوة له، وشرفهم مزيد في شرفه، وكثرة مالهم زيادة في نعم الله تعالى عليه.

لو عرف الأزواج معنى الزوجية وقيمتها، واتفق أن كان كل منهما على غير ما يحب الآخر ويهوى؛ فلم تسكن إليه نفسه ذلك السكون المطلوب – لتودد كل منهما للآخر توددًا لعله يصيب بالتكلف والصنعة بعض ما فاته بالسجية والفطرة؛ فإن التودد مودة متكلفة أو صورة للود الحقيقي؛ فله جميع فوائد المودة الصورية وإنما ينقصه روحها، وهو ما فيها أريحية النفس وأنسها بالفضيلة ولذتها واغتباطها بها، وقد ينتهي التودد بشيء من هذا ومن فاته كمال المنفعة بشيء فليس من الرأي ولا الكياسة أن يفوته كل جزء من أجزائه، وكل أثر من أثاره، وهو قادر على إدراكه؛ فإن بلغ النفور في قلبي الزوجين مبلغًا يعز معه التودد ويتعذر التجمل؛ فالواجب أن يتفرقا بالمعروف والإحسان كما اجتمعا بهذا القصد؛ لأنهما تحققا حينئذ أنهما لا يقيمان حدود الله تعالى “ وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ “ (النساء: 130).

من المودة: أن يحب كل من الزوجين من يحب الآخر من أهله وعشيرته وأصدقائه؛ فيسر لسرورهم، ويستاء لاستيائهم، ويتمنى لهم الخير والنعمة، ويقوم بأداء حقوقهم كما جرى من العرف بين أمثالهم في ذلك، والتودد هو عبارة عن هذا الأمر الأخير الذي هو عمل اختياري دون ما قبله؛ لأنه من عمل القلب، وهو شعور اضطراري دون ما قبله؛ لأنه من عمل القلب وهو شعور اضطراري يملك النفوس المستعدة له؛ إذا هي آنست من هو أهله.

النفوس المستعدة للود الصحيح، والحب الخالص: هي النفوس الزكية التي آوى حسن التربية بينها إلى سلامة الفطرة، والنفوس المستأهلة لذلك هي النفوس المستعدة له؛ فالمحبة والمودة من ثمرات المشاكلة في السجايا، والصفات النفسية الفاضلة وأما المشاركة في الصفات الرديئة، والسجايا الخسيسة؛ فهي لا تثمر حبًّا خالصًا، وودادًا صادقًا، ولكنها تثمر توددًا يقصد به كل من المتشاكلين الاستفادة من الآخر، والتعاون معه على المقصد الذي وجههما إليه فساد الطبع؛ فإذا أحسَّ بالاستغناء عنه أو يظفر بمن يقوم مقامه فيما توادَّا لأجله، ويكون الربح منه أكثر أو المكافأة له أقل؛ فلا يلبث أن يتبدله به جذلاً مسرورًا. فأصحاب الأخلاق الفاسدة محرومون من ملكة المودة الصحيحة، وهم في توددهم تجار مُمَاكِسُون حتى إن فساد الفطرة يبلغ منهم أن يتَّجروا بعقد الزوجية، ويعتدوا أزواجهم من سلع التجارة كما قدمنا في مبحث اختيار الأزواج.

من التودد ما هو رذيلة وهو تودد الشطار العيارين الذي كشفنا عن حقيقة أمرهم آنفًا، ومنه ما هو فضيلة، وهو ما يقصد به أداء الحقوق المعروفة للخلطاء والعشراء، وتكلف القيام بآثار المودة كراهة الحرمان من خيرها الظاهر والباطن معًا، ورجاء أن يصير التودد ودًّا، والتحبب حبًّا؛ فقد علم بالتجربة أن تكرار العمل بأثر خلق من الأخلاق تكلفًا قد ينتهي بأن يصير ملكة، كما ورد في الحديث (والحلم بالتحلم)، قالت علية بنت المهدي:

 تحبب فإن الحب داعية الحب

 وكم من بعيد الدار مستوجب القرب

 وهذا النوع من التودد: هو الذي نأمر به من تزوجا في أنفسهما سكونًا يبعث كلاً منهما على مودة الآخر ظاهرًا وباطنًا، وهو ضرب من ضروب التربية القويمة إلا أولو العزم؛ لأن الجاهل بعلم النفس وأخلاقها، والشريعة وآدابها، يقوده شعوره على غير هدى، حتى يهوي به في مهاوي الردى، فإن كان زكي الطبع، سليم القلب، صبر على تجرع الغصص، وتحمل المضض، من تحمل زوج لا يأنس به، وقرين لا تسكن نفسه إليه، حتى يقتله الصبر، أو يخرج به إلى الفساد والنكر وإن كان شرسًا شكسًا؛ كانت حياته مع الزوج الآخر في تشاكس وتعاسر، وتنافس وتنافر، وأما العالم فإذا ابتلي بزوج لا تسكن إليه النفس، ولا يخلص له الود، فكان العدو الذي ما من صداقته بُدّ، فإنه يتكلف إظهار صداقته، وإخفاء مقته وكراهته، ليسلم من سوء المعاشرة، ويستظهر على آفات المنافرة، وإذا كان واسع العلم في تربية النفوس، وأثر المعاملة في تقلب القلوب، صادق الإرادة في تربية نفسه، قوي العزيمة في تأديب وجدانه وحسه، فإنه يطمع في أن يكون التودد ودًّا، والطبع طبعًا، ويعطي ما يطمع، وينال ما يريد، ومصداق هذا واضح في أهل العلم، ومصداق ما قبله ظاهر في أهل الجهل.

لك أن تقول: إننا رأينا من المتعلمين والمتعلمات في هذه البلاد أزواجًا كان يرجى أن يكونوا حجة للعلم على الجهل بالعيشة الراضية، وقصر كل من الزوجين طرفه على الآخر وقناعته بالاختصاص به لكمال سكون نفسه إليه، وإخلاصه في مودته ومحبته، أو التودد إليه ومجاملته، فبدا للناس منهم ما لم يكونوا يحتسبون، فلم تكد تنتهي أيام أعراسهم وليالي أفراحهم؛ إلا وقد نجمت بينهم قرون الفتنة، ووقع عليهم طائر الشقاق، وصاح بهم غراب الافتراق، وياليته كان شقاقًا بكتمان، وتسريحًا بإحسان، وإنما هداهم إلى أن يكيد أحدهم للآخر في المحاكم الشرعية، ومنهم من قذف بهم التخاصم إلى المحاكم الأهلية.

ولي أن أجيب بأنك قد نسيت أنني أعني بالعلم علم النفس وأخلاقها، وعلم الشريعة وآدابها، ومن تحدث عنهم لا يعرفون من ذلك شيئًا إلا قليلاً من الألفاظ المحفوظة، والكلمات المتداولة، التي يمليها الخيال، ويلوكها اللسان، وليس لها في النفس منشأ يعرف، ولا في الأعمال أثر يوصف، كما هو شأن الأمة في إبان موتها توجد عندها صور من العلوم لا تطلب بها غايتها، وبقايا من الرسوم لا تجني منها فائدتها.

سكون الزوج إلى الزوج سبب من أسباب سعادة الزوجين، وهناء معيشتهما خاص بهما لا يشاركهما فيه أحد من الأقربين والمحبين، وأما المودة بينهما فهي من أسباب سعادة عشيرتهما أيضًا؛ لأنها متعدية؛ فهي مبعث التناصر، والتوازرد والتعاضد والتساند وبهذا تكون سببًا من أسباب سعادة الأمة المؤلفة من العشائر المؤلفة من الأزواج فهذا التأليف هو الذي يتكون من مزاج الأمة فما يكون عليه من اعتدال وكما يكون كمالاً في بنية الأمة وقرة عين لمجموعها وما يطرأ عليه من فساد واعتلال يكون مرضًا للأمة يوردها موارد الهلكة.

إن الإنسان ليشعر بحاجته في كماله إلى الأمة وبحاجتها إليه في ذلك على قدر قوة معنى الإنسانية فيه؛ فأدنى أفراد الإنسان حظًّا من الإنسانية لا يشعر بحاجته إلى أحد ولا بحاجة أحد إليه إلا من تقوم بهم شؤون حياته الشخصية، فهو ينظر إلى زوجة في البيت بالعين التي ينظر بها إلى شريكه في السوق أو معامله في الحقل، وهي عين المبادلة في المنفعة وطلب الربح؛ فإذا قدرعلى استبدال زوج مكان زوج يكون به حظه من التمتع أوفر، أو مكافأته له بالنفقة وغيرها أقل، فهو يقدم على ذلك فرحًا راضيًا، كما يستبدل عاملاً بعامل، وشريكًا بشريك، وأجيرًا بأجير إذا رأى أن الجديد أنفع له من القديم. فمثل هذا لا يمتد وجوده إلى ما وراء محيط جسمه، فلا يتحقق فيه معنى الزوجية الذي هو عبارة عن حقيقة مؤلفة، فردين يعيشان بروح واحدة، وإذا لم يصل في سعة الوجود إلى أن يكون زوجًا أعلى من حياته الفردية، ووجودًا أوسع من وجوده الشخصي، وإذا صغر عن هذا فإنه يكون أصغر وأحقر من أن يشعر بمعنى الوجود القومي والحياة الملية؛ التي ترفع صاحبها إلى الشعور بأن كل عمل من أعمال يجب أن يكون نافعًا لأمة عظيمة وأن مجموع أعمال العاملين في هذه الأمة يلحقه شرفه إذا كان شريفًا، وتصيبه خسته إذا كان خسيسًا، وهذا هو شأن الإنسان الكامل فمودة الأهل هي أول مجالي الإنسانية الكاملة، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) رواه الترمذي من حديث عائشة وصححه ورواه أيضًا مصححًا من حديث أبي هريرة بلفظ: (خياركم خياركم لنسائهم) وروى أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا وألطفهم بأهله).

ومن المودة بين الزوجين: الممازحة والملاعبة، ومن الرجال من يرى أن مفاكهة المرأة ومداعبتها مما يذهب بمهابتها إياه، واحتشامها له، وينسى أن ترك ذلك يذهب بأنسها به، وسكونها إليه، وحبها إياه، وإن الحب ليغني عن المهابة والاحتشام، إن صح أن الممازحة، والملاعبة، والمفاكهة، والمداعبة لا تتفق معهما، وما ذلك بصحيح؛ فإن أعظم الرجال قدرًا من الأنبياء، والحكماء، والملوك المهذبين كانوا يرضون نسائهم في البيوت، ولا يتخوَّن ذلك من مهابتهم وإجلالهم شيئًا، كان الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم – يمازح نساءه ويداعبهن، وقال: لجابر – رضي الله عنه – حين استأذنه في نكاح الثيب (هلاَّ بكرًا تلاعبها وتلاعبك) والحديث في الصحيحين، وكذلك كان يفعل – صلى الله عليه وسلم – حتى رووا: (أنه كان يسابق عائشة في العدو – الجري الشديد- سابقها فسبقته ثم سابقها فسبقها، فقال: هذه بتلك) والحديث عند أبي داود والنسائي وابن ماجه وسنده صحيح. ويؤثر عن عمر أنه كان يقول (كل امرئ في بيته صبي) وفي الإحياء: وقال عمر -رضي الله عنه – مع خشونته (ينبغي للرجل أن يكون في أهله مثل الصبي فإذا التمسوا ما عنده وجدوه رجلاً) وللدعابة في البيت حد من تجاوزه ذهبت حشمته، ومن قصر فيه ثقلت عشرته، واستثقال المرأة للرجل مدرجة البلاء، ومدعاة الشقاء.

ومن المودة بين الزوجين الاعتدال في الغيرة، بحيث تتحامى فيها الظنة والريبة، فينبغي للرجل أن يؤذن امرأته بأوقاته خارج البيت أين يصرفها؛ فإن ذلك يعلي مكانه من قلبها، ويمكن الثقة به من نفسها، ويحول بينها وبين وسوسة الشيطان، فلا تتهمه باتخاذ الأخدان، ويكون أعون له على إلزامها القرار في البيت وتحري رضاه في الخروج عند الحاجة إليه. وإن كثيرًا من الرجال ليشاقون النساء بالمشادة في الخروج حتى يبتغوا بهن الريبة؛ فيوقعوهن فيها، ومنهم الذين يسلسون لهن، أو يلقون حبالهن على غواربهن فيسرحن ويمرحن ويتبرجن تبرج الجاهلية الأولى حتى يكون البيت في نظرهن كالسجن، وإن ملل المرأة من البيت وكراهتها له كملل التاجر من محل تجارته، والقاضي من محكمته، والأمير من إمارته، وكراهة كل عامل من عمله سبب للضياع ومعول للخراب.

ومن المودة بين الزوجين: أن لا تخرج المرأة من دارها إلا بإذن الرجل ورضاه، وأن لا تكفله من النفقة والزينة فوق ما يليق بحاله في الثروة، وقد مضت التجارب بأن العهد إلى النساء بالنفقة يبعثهن على الاقتصاد، ويغريهن بالتوفير. وارجع في سائر ما يطلب من المرأة لزوجها وولدها في المقالات السابقة؛ فالنهوض بها مع الغبطة والسرور هو أثر المودة المطلوبة.

لو لم تكن المودة بين عشيرتي الزوجين مما يقصد بالزواج قصدًا مستقلاًّ لكانت مما يقصد بالتبع لتوثيق رابطة الزوجية بين الزوجين؛ فإن احترام كل منهما لقرابة الآخر مزيد في احترامه له، ولعل الذين يختارون الأزواج لمكان البيوت والعشائر أكثر من الذين يختارون لمجرد الاستحسان الذاتي، ولا تكاد تجد في العناصر الكريمة من لا يبالي بالمنبت، وإنما أولئك تحوت الناس وعبيد الشهوات.

إن المشاكل بين الزوجين في السجايا والعادات كافية مع سكون الزوجية لتحقق المودة بينهما، ولكن مكان عشيرتيهما قد يفسد مودة بينهما؛ إذا كانت غير مرضية لهم، وقد يشفع لما ينقصهما من سكون النفس، ومودة القلب لحلول عاطفة الاحترام القومي محل عاطفة المشاكلة في بعض الطباع؛ فإن لم يأت احترام العشيرة بالمودة فهو لا يقصر عن الإتيان بالتودد وحسن المعاشرة.

سل قضاة المحاكم الشرعية ووكلاء الدعاوى فيها، يخبروك عن أرباب التخاصم من الأزواج أن أكثرهم من الشذاذ الذين ليس لهم عشائر معروفة أو من البيوت التي أفسدها الترف والتربية السوءى حتى كان أهل الزوجين هم الذين يحلون ميثاق الزوجية بينهما، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا بمضارة الرجل بامرأته، والمرأة ببعلها باسم المحافظة على الحقوق ورعاية الشرف، وما الشرف إلا في الوفاق والوئام، والوداد والالتئام.

يقع مثل هذا مع فساد الفطرة من الذين عزموا عقدة المصاهرة على رغبة وتحيز، فما بال أولئك الذين يمتون إلى هذا العقد بوسائل الرهبة، أو الحيلة، أو يهجمون على البيوت؛ فيأتونها من ظهورها لا من أبوابها، ويمزقون ستارها ويهتكون حجابها، وينتزعون الخرائد من أكنافها، والفرائد من أصدافها، ويفرقون بين الأولاد والوالدين، ويوقعون العداوة والبغضاء بين الأقربين، ماذا يكون أثرهم في البيوت التي تتكون منها الأمة وفي الأمة التي تتكون من البيوت؟ لا يغيب عن عاقل أن شرهم مستطير، وأن ما يفعلونه فتنة في الأرض وفساد كبير.

(للكلام بقية)

((يتبع بمقال تالٍ))

________________________

(*) (الروم: 21).