محمد رشيد رضا – مجلة المنار

تعدد الزوجات

وجدت بين أوراق شيخنا الأستاذ الإمام الفتاوى الآتية، فأحببت نشرها؛ لتصدي الحكومة المصرية لتقييد إباحة التعدد، وكثرة الكلام فيه وهي:

(السؤال الأول)

ما منشأ تعدد الزوجات في بلاد العرب (أو في الشرق على الجملة) قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم؟

(ج) ليس تعدد الزوجات من خواص المشرق، ولا وحدة الزوجة من خواص المغرب، بل في المشرق شعوب لا تعرف تعدد الزوجات كالتبت، والمغول، وفي الغرب شعوب كان عندها تعدد الزوجات كالغولوا، والجرمانيين، ففي زمن سيزار كان تعدد الزوجات شائعًا عند الغولوا، وكان معروفًا عند الجرمانيين في زمن ناسيت، بل أباحه بعض البابوات لبعض الملوك بعد دخول الدين المسيحي إلى أوربة كشرلمان ملك فرانسا، وكان ذلك بعد الإسلام [1].

كان الرؤساء، وأهل الثروة يميلون إلى تعدد الزوجات في بلاد يزيد فيها عدد النساء على عدد الرجال توسعًا في التمتع، وكانت البلاد العربية مما تجري فيها هذه العادة لا إلى حد محدود، فكان الرجل يتزوج من النساء ما تسمح له، أو تحمله عليه قوة الرجولية، وسعة الثروة للإنفاق عليهن، وعلى ما يأتي له من الولد.

وقد جاء الإسلام، وبعض العرب تحته عشر نسوة، وأسلم غيلان رضي الله عنه، وعنده نسوة؛ فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بإمساك أربعة منهن، ومفارقة الباقيات، وأسلم قيس بن الحارث الأسدي وتحته ثمان نسوة؛ فأمره بأن يختار منهن أربعًا، وأن يخلي ما بقي، فسبب الإكثار من الزوجات إنما هو الميل إلى التمتع بتلك اللذة المعروفة، وبكثرة النساء، وقد كان العرب قبل البعثة في شقاق، وقتال دائمين، والقتال إنما كان بين الرجال، فكان عدد الرجال ينقص بالقتل، فيبقى كثير من النساء بلا أزواج، فمن كانت عنده قوة بدنية، وسعة في المال كانت تذهب نفسه وراء التمتع بالنساء، فيجد منهن ما يرضي شهوته، ولا يزال يتنقل من زوجة إلى أخرى ما دام في بدنه قوة، وفي ماله سعة، وكان العرب ينكحون النساء بالاسترقاق، ولكن لا يستكثرون من ذلك، بل كان الرجل يأخذ السبايا، فيختار منهن واحدة، ثم يوزع على رجاله ما بقي واحدة واحدة، ولم يعرف أن أحدًا منهم اختار لنفسه عدة منهن، أو وهب لأحد رجاله كذلك دفعة واحدة.

***

(السؤال الثاني)

على أي صورة كان الناس يعملون بهذه العادة في بلاد العرب خاصة؟

(ج) كان عملهم على النحو الذي ذكرته: إما بالتزوج واحدة بعد واحدة، أو بالتسري، وأخذ سرية بعد أخرى، أو جمع سرية إلى زوجة، أو زوجة إلى سرية، ولم يكن النساء إلا متاعًا للشهوة لا يرعى فيهن حق، ولا يؤخذ فيهن بعدل، حتى جاء الإسلام؛ فشرع لهن الحقوق، وفرض فيهن العدل.

***

(السؤال الثالث)

كيف أصلح نبينا صلى الله عليه وسلم هذه العادة، وكيف كان يفهمها؟

(ج) جاء صلى الله عليه وسلم، وحال الرجال مع النساء كما ذكرنا لا فرق بين متزوجة وسرية في المعاملة، ولا حد لما يبتغي الرجل من الزوجات، فأراد الله أن يجعل في شرعه صلى الله عليه وسلم رحمةً بالنساء، وتقريرًا لحقوقهن، وحكمًا عدلاً يرتفع به شأنهن، وليس الأمر كما يقول كتبة الأوربيين: (إن ما كان عند العرب عادة جعله الإسلام دينًا)، وإنما أخذ الإفرنج ما ذهبوا إليه من سوء استعمال المسلمين لدينهم، وليس له مأخذ صحيح منه.

حكم تعدد الزوجات جاء في قوله تعالى في سورة النساء: ” وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي اليَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ” (النساء: 3).

كان الرجل من العرب يكفل اليتيمة، فيعجبه جمالها ومالها، فإن كانت تحل له؛ تزوجها، وأعطاها من المهر دون ما تستحق، وأساء صحبتها، وقتَّر في الإنفاق عليها، وأكل مالها، فنهى الله المؤمنين عن ذلك، وشدد عليهم في الامتناع عنه، وأمرهم أن يؤتوا اليتامى أموالهم، وحذرهم من أن يأكلوا أموالهم، ثم قال لهم: إن كان ضعف اليتيمات يجركم إلى ظلمهن، وخفتم ألا تقسطوا فيهن إذا تزوجتموهن، وأن يطغى فيكم سلطان الزوجية، فتأكلوا أموالهن، وتستذلوهن، فدونكم النساء سواهن، فانكحوا ما يطيب لكم منهن من ذوات جمال ومال من واحدة إلى أربع، ولكن ذلك على شرط أن تعدلوا بينهن، فلا يباح لأحد من المسلمين أن يزيد في الزوجات على واحدة إلا إذا وثق بأن يراعي حق كل واحدة منهن، ويقوم بينهن بالقسط، ولا يفضل إحداهن على الأخرى في أي أمر حسن يتعلق بحقوق الزوجية التي تجب مراعاتها، فإذا ظن أنه إذا تزوج فوق الواحدة لا يستطيع العدل؛ وجب عليه أن يكتفي بواحدة فقط، فتراه قد جاء في أمر تعدد الزوجات بعبارة تدل على مجرد الإباحة على شرط العدل، فإن ظن الجور؛ منعت الزيادة على الواحدة، وليس في ذلك ترغيب في التعدد، بل فيه تبغيض له، وقد قال في الآية الأخرى: ” وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ” (النساء: 129) فإذا كان العدل غير مستطاع، والخوف من العدل يوجب الاقتصار على الواحدة؛ فما أعظم الحرج في الزيادة عليها ! فالإسلام قد خفف الإكثار من الزوجات، ووقف عند الأربعة، ثم إنه شدد الأمر على المكثرين إلى حد لو عقلوه لما زاد واحد منهم على الواحدة.

وأما المملوكات من النساء؛ فقد جاء حكمهن في قوله تعالى: ” أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ” (النساء: 3)، وهو إباحة الجمع بينهن، وإن لم يكن من الرجل عدل فيهن؛ لأن المملوكة لا حق لها، ولمالكها أن يتركها للخدمة، ولا يضاجعها ألبتة، وقد اتفق المسلمون على أنه يجوز للرجل أن يأخذ من الجواري ما يشاء بدون حصر، ولكن يمكن لفاهم أن يفهم من الآية غير ذلك، فإن الكلام جاء مرتبطًا بإباحة العدد إلى الأربعة فقط، وإن الشرط في الإباحة التحقق من العدل، فيكون المعنى أنه إذا خيف الجور؛ وجب الاقتصار على الواحدة من الزوجات، أو أخذ العدد المذكور مما ملكت الإيمان، فلا يباح من النساء ما فوق الأربع على حال، ويباح الأربع بدون مراعاة للعدل في المملوكات دون الزوجات؛ لأن المملوكات ليس لهن حقوق في العشرة على ساداتهن، إلا ما كان من حقوق العبد على سيده.

وحق العبد على سيده أن يطعمه، ويكسوه، وأن لا يكلفه من العمل في الخدمة ما لا يطيق، أما أن يمتعه بما تتمتع به الزوجات فلا. [2]

وقد ساء استعمال المسلمين لما جاء في دينهم من هذه الأحكام الجليلة، فأفرطوا في الاستزادة من عدد الجواري، وأفسدوا بذلك عقولهم، وعقول ذراريهم بمقدار ما اتسعت لذلك ثروتهم.

أما الأسرى اللاتي يصح نكاحهن، فهن أسرى الحرب الشرعية التي قصد بها المدافعة عن الدين القويم، أو الدعوة إليه بشروطها، ولا يكن عند الأسر إلا غير مسلمات، ثم يجوز بيعهن بعد ذلك، وإن كن مسلمات، وأما ما مضى المسلمون على اعتياده من الرق، وجرى عليه عملهم في الأزمان الأخيرة، فليس من الدين في شيء، فما يشترونه من بنات الجراكسة المسلمين اللاتي يبيعهن آباؤهن، وأقاربهن طلبًا للرزق، أو من السودانيات اللاتي يتخطفهن الأشقياء السلبة المعرفون (بالأسيرجية)؛ فهو ليس بمشروع، ولا معروف في دين الإسلام، وإنما هو من عادات الجاهلية، لكن لا جاهلية العرب، بل جاهلية السودان، والجركس.

وأما جواز إبطال هذه العادة – أي: عادة تعدد الزوجات – فلا ريب فيه.

***

(السؤال الرابع)

هل يجوز تعدد الزوجات إذا غلبت مفسدته؟ [3]

(ج) أما (أولاً)؛ فلأن شرط التعدد هو التحقق من العدل، وهذا الشرط مفقود حتمًا، فإن وجد في واحد من الميليون، فلا يصح أن يتخذ قاعدة؛ ومتى غلب الفساد على النفوس، وصار من المرجح أن لا يعدل الرجال في زوجاتهم؛ جاز للحاكم، أو للعالم [4] أن يمنع التعدد مطلقًا مراعاةً للأغلب.

(وثانيًا) قد غلب سوء معاملة الرجال لزوجاتهم عند التعدد، وحرمانهن من حقوقهن في النفقة، والراحة، ولهذا يجوز للحاكم، وللقائم على الشرع أن يمنع التعدد دفعًا للفساد الغالب.

(وثالثًا) قد ظهر أن منشأ الفساد، والعداوة بين الأولاد هو اختلاف أمهاتهم، فإن كل واحد منهم يتربى على بغض الآخر، وكراهته، فلا يبلغ الأولاد أشدهم إلا وقد صار كل منهم من أشد الأعداء للآخر، ويستمر النزاع بينهم إلى أن يخربوا بيوتهم بأيديهم، وأيدي الظالمين، ولهذا يجوز للحاكم، أو لصاحب الدين أن يمنع تعدد الزوجات والجواري معًا؛ صيانةً للبيوت عن الفساد.

نعم، ليس من العدل أن يمنع رجل لم تأت زوجته منه بأولاد أن يتزوج أخرى؛ ليأتي منها بذرية، فإن الغرض من الزواج التناسل، فإذا كانت الزوجة عاقرًا، فليس من الحق أن يمنع زوجها من أن يضم إليها أخرى.

وبالجملة فيجوز الحجر على الأزواج عمومًا أن يتزوجوا غير واحدة إلا لضرورة تثبت لدى القاضي، ولا مانع من ذلك في الدين ألبتة، وإنما الذي يمنع ذلك هو العادة فقط اهـ.

(المنار)

هذا نص الفتوى، وهي مبنية على قاعدة جواز منع كل مباح ثبت ضرر استعماله لدى أولي الأمر، ومنه منع حكومة مصر لصيد بعض الطيور التي تأكل حشرات الزرع؛ فيسلم من الهلاك، ومنع ذبح عجول البقر أحيانًا للحاجة إليها في الزراعة مع قاعدة إعطاء الفساد الغالب حكم العام، ثم استثنى من منع تعدد الزوجات ما كان لغرض شرعي صحيح، وهو طلب النسل.

أقول: ومثله ما كان لضرورة أخرى تثبت لدى الحاكم الشرعي، وهذه الضرورات لا يسهل حصرها في عدد معين.

ومن أظهرها: أن تصاب الزوجة الأولى بمرض يحول دون الاستمتاع الذي يحصل به الإحصان، ومنها وصولها إلى سن اليأس مع إمكان النسل منه، فالإحصان المانع من العنت – أي: اندفاع الطبع إلى الزنا – من أغراض الزواج الشرعية. ومفاسد الزنا ومضاره أكبر من مفاسد تعدد الزوجات ومضاره؛ فإنه يولد الأمراض، ويقلل النسل، ويوقع العداوة بين الأزواج، ويفسد نظام البيوت، ويضيع الثروات، وإنما أباح الإسلام التعدد المعين بشرط إرادة العدل، والقدرة على النفقة لدفع مفاسد، وتقرير مصالح متعددة جعلته من الضرورات الاجتماعية في أمة ذات دولة وسلطان فرض عليها تنفيذ شريعتها، وحماية بيضتها، وتدين الله بالفضيلة، فهي تحرم الزنا، وهي عرضة لأن يقل فيها الرجال، ويكثر النساء بالحروب وغيرها حتى يكون من مصلحتهن أن يكفل الرجل اثنتين، أو أكثر منهن.

وما ذكره رحمه الله من مفاسد التعدد ليس سببه التعدد وحده لذاته، بل يضم إليه فساد الأخلاق، وضعف الدين، وقد كان يعرف من ذلك ما يقل أن يعرفه غيره من أهل البصيرة والخبرة لشدة غيرته، وعنايته بالإصلاح، وهو الذي كان يؤلم قلبه، ويذهله عما لهذه الضرورة الاجتماعية من الفوائد التي أشرنا إلي أهمها.

ولعمري إن ما عرفناه نحن هنا من قلة احترام ميثاق الزوجية، ومن كثرة تعدد الزوجات، وكثرة مفاسده لا نعرف له نظيرًا في غير هذه البلاد المصرية من بلاد الإسلام، وقد فصلنا القول في هذه المسألة في تفسير آية النساء بعد أن أوردنا ما قاله شيخنا في تفسيرها في درسه، فليراجعه في الجزء الرابع من التفسير من شاء أن يزداد بيانًا في المسألة