محمد رشيد رضا – مجلة المنار

الزكاة والتمدن

(2)

 

بيّنا في مقالة (المنار) الماضي أن الزكاة ركن من أركان الدين والمدنية،  وفضيلة من أكمل الفضائل الإنسانية، وأن تاركها بعيد من الدين والتمدن والإنسانية  جميعًا، ودحضنا شبهة المحتالين في منعها من المتدينين، وندحض في هذه المقالة  شبهة من يذمها أو يذم السخاء من المتمدنين فنقول:

من الإفرنج طائفة تذم السخاء والبذل محتجة بأن إعطاء المال بدون مقابلة  عمل يعلّم الناس البطالة والكسل والاعتماد على الناس دون أنفسهم في قضاء حاجهم،  والوصول إلى مطالبهم ويكثر فيهم التسول والشحاذة، وما فشت هذه الأخلاق  والسجايا في أمة إلا ورَمتْها بالفقر والفاقة والذل والمهانة، وجعلتها وراء الأمم كلها،  وأنت ترى أن حجة هؤلاء ناهضة قوية، ولذلك فشت أفكارهم في أوربا فجعلت  قلوب أهلها قاسية على بني جنسهم لا يرحمون فقيرًا ولا يواسون محتاجًا حتى قيل:  إن الفقراء يموتون جوعًا في أسواق أغنى مدائن الأرض كلوندره ولا يرقّ لهم أحد  وإذا عدُل عقلاؤهم أو فلاسفتهم في هذه القساوة الوحشية يقولون: إن موت بعض  الأفراد أخف ضررًا على المدنية من فشوّ الأمراض الروحية التي تتولد من البذل  ومواساة هؤلاء المحتاجين وهي ما ذكرناه آنفًا، هذا ملخص مذهب هؤلاء، ونحن  نجيب عنه بالنسبة للزكاة الشرعية من وجوه:

(1) يعارض مفاسد البذل المذكورة مفاسد أعظم منها ضررًا في المدنية وأشد  خطرًا على الإنسانية وهي مفاسد الاشتراكية والفوضوية التي ليس لها منشأ إلا عدم  رضا الاشتراكيين بجعل المال دولة بين الأغنياء، بحيث يقاسي السواد الأعظم  من أبناء الإنسان متاعب الفقر وشقاء العوز حتى يموت الكثير منهم جوعًا ويتمتع  العدد الأقل بجميع صنوف النعيم ويستعبد سائر العالمين، بل يحبس في سجون  من الحديد (صناديق الأموال) جيوش الدراهم والدنانير يمنعها بذلك عن صدّ غارات  جيوش الفقر والفاقة التي تفتك بالنوع البشري أشد الفتك، إما بنفسها وإما بما يتبعها  من جيوش جراثيم الأمراض والأوبئة الخفية التي لا يدافع جانّها إلا بجنان من الذهب  أو الفضة وليس فقر كل الفقراء وعوزهم من كسلهم وبطالتهم، فترد في حقهم شبهة  مانعي البذل وذامِّي السخاء، ولكن استعداد أفراد الإنسان متفاوت وللبيئة التي يعيش  فيها والقوم الذين يتربى بينهم الأثر الأكبر في أخلاقه ومعارفه التي هي  مناشئ أعماله الكسبية وغيرها “ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ  بَصِيراً “ (الفرقان: 20) فالله تعالى يبتلي الغني بالفقير والفقير بالغني، كما يمتحن  القوي بالضعيف وبالعكس على نحو ما بيّناه في المقالة السابقة، وبسطة الرزق تكاد  تكون بالحظ والجد أكثر مما هي بالحيلة والكد.

يشقى أناس ويشقى آخرون بهم

ويسعد الله أقوامًا بأقوام   وليس رزق الفتى من فضل حيلته

لكن جدود وأرزاق بأقسام   كالصيد يحرمه الرامي الجيد وقد

يرمي فيحرزه من ليس بالرامي

وما أنا من يقول بالجد والحظ على إطلاقه الذي يطوف في الأذهان، ويجري  على كل لسان، بل أقول: لكل شيء سبب، وللإنسان ما سعى وكسب “ لَهَا مَا  كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ “ (البقرة: 286) ولكنّ طرق الكسب والثروة منها ما يعرفه الإنسان ومنها ما يجهله، وبعض ما يعرفه يمكن أن يناله بسعيه , وبعضه يعلو  عن تناول السعي ويتعاصى على الكسب، ولا تكون طبقات الناس أو أفرادهم  متقاربين في معرفة الأسباب والتمكن منها إلا إذا أمكن توحيد التربية والتعليم  وتعميمهما في العالم الإنساني كله، وما أبعدها غاية وأقصاها رغيبة ! ! فظهر بهذا  علة اختلاف الناس المشهود في المعارف والسجايا والأعمال والمكاسب إجمالاً  “ َلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ “ (هود: 118-119) وظهر به  وبما قبله أن للاشتراكيين بعض العذر في القيام على الأغنياء الذين لا يجعلون في  أموالهم حقًّا معلومًا للبائس الفقير والعاجز الضعيف الذين ليس لهم ما يكفيهم، وأن  ينتهي بهم الأمر إلى القيام على الحكومة التي لا تلزم الناس بالمساواة إلزامًا كما هو  شأن الفوضويين، نعم إن القوم أفرطوا فخابوا، ومن الاعتدال أن يطلبوا المواساة بدلاً  من المساواة التي لا سبيل إليها، ويعلم المتمدنون من المسلمين أن حكماء أوربا  وحكامها في حيرة من تلافي شرور الاشتراكيين والفوضويين ومعالجة هذا الداء  الاجتماعيّ الدويّ , وما علاجه إلا الدين الإسلامي الذي يفرض الزكاة ويحث على  المواساة ويفرض على الآخذين به أن يرضوا بما قسم الله لهم بعد السعي بحسب  الطاقة.

(2) إن فضلاء الأوربيين وعقلاءهم الذين لم ينسلخوا من مزايا  الإنسانية الجميلة ولم يُحرموا من الشفقة والرأفة على أبناء جنسهم بالمرة , قد  خصصوا جزءًا من أموالهم لبناء المستشفيات لمعالجة مرضى الفقراء ولغير  ذلك من أعمال البر، ولولا هؤلاء لكانت المدنية الأوروبية شر مدنية أخرجت  للناس، ولكان غلو الاشتراكيين والفوضويين تجاوز الحدود فدمرها شر  تدمير وجعل مصيرها بئس المصير، وإننا نرى اللابسين لباس المدنية  الأوروبية من المسلمين لا يبذلون شيئًا من فضول أموالهم على أعمال البر  التي ينفق عليها الأوروبيون كالمستشفيات والمدارس والمكاتب وتنشيط المخترعين  والمكتشفين، حرموا فضائل المشرقين واستأثروا برذائل المغربين “وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ  عَلَى شَيْءٍ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الكَاذِبُونَ “ (المجادلة: 18).

(3) إذا كان السويليون من الإفرنج يقبّحون إيتاء الفقراء والمساكين العاجزين  عن كسب يكفيهم، فلا ينبغي أن يلتفت إلى قولهم ؛ لأن احتجاجهم بتعليم الناس  البطالة والكسل إنما يأتي إذا كانت الشريعة تعطي من يقدر على الكسب ولا يكتسب  إخلادًا إلى الكسل والبطالة واعتمادًا على أوساخ الناس، ولكن الشريعة تمنع إعطاء  مثل هذا كما تمنع إعطاء العاجز فوق كفايته، وتسمي مَن يقدر على كسب يكفيه  غنيًّا، ولذلك قال الإمام الغزالي كغيره: (وقد لا يملك إلا فأسًا وحبلاً وهو  غني). وجعلت أيضًا في حكم الغني كل فقيرعاجز له قريب يمونه وينفق عليه،   ومع هذا كله حرمت السؤال والشحاذة على غير المضطر واعتبرت أموال الزكاة  والصدقات من أوساخ الناس، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: اليد العليا خير  من اليد السفلى.

فقد رأيتَ أن هذا الدين القويم فرض للفقراء والمساكين ما فرض من مال الزكاة  مع أشد الاحتراس من مضار اعتماد الإنسان على غير كسبه ونتائج عمله، ومن ذلك  أنها حرمت الصدقة على آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنهم ينبغي أن يكونوا  قدوة للناس في شرف النفس وعزتها، وما أكل أوساخ الناس إلا ذلٌّ وصغار، وقد  غفل المسلمون لا سيما الغالون في تعظيم أهل البيت عن هذا فأغدقوا عليهم الإنعام  حتى جعلوهم عالة على الناس في عامة شؤونهم، وأفسدوا أخلاق الجم  الغفير منهم.

(4) إذا فرضنا أن للسويليين وجهًا في منع إعطاء الفقير والمسكين ومن في  معناهما كالغارم وابن السبيل مطلقًا، فهل نقول: إن لهم وجهًا في منع تجهيز  المطّوعين لحماية البلاد ودفع الأعداء عنها، ومنع فك الرقاب من العبودية أو  الأسر ؟! كلا، إننا لم نسمع أن أحدًا في أوربا يذم هذه المصارف، بل نراهم يجمعون  الأموال الطائلة لتنفق في هذه الوجوه، وقد جعلوا السعي في تحرير الأرقاء ركنًا من  أركان التمدن، بل وجعلوه عملاً مخصوصًا من أهم أعمال الحكومة.

وخلاصة القول وزبدته: أن الزكاة ركن من أهم أركان الدين والمدنية الحقة،  وأنه ليس في شيء من مصارفه الثمانية مغمز لغامز ولا مضرة تخشى مغبتها، وأن  هؤلاء المسلمين الجغرافيين الذين يمنعونها لروح البخل والشح الخبيث الذي لابس  نفوسهم الشريرة ما شمّوا رائحة التمدن الحقيقي، ولا استنشقوا عَرف الإسلام العطر،  ويوشك أن يجيء يوم من الأيام تهدي فيه الأوربيين معارفُهم الاجتماعية إلى إقامة هذا  الركن المدني الركين، ثم إقامة غيره من أركان الإسلام، فيضطر المقلدون لهم في  مساويهم من متمدنينا إلى تقليدهم في المحاسن والفضائل التي يأخذونها من دينهم،  فإنهم لصغر نفوسهم لا يكونون إلا مقلدين و “ لِّكُلِّ نَبَأٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ “  (الأنعام: 67).

________________________

(*) (الجان) اسم جمع للجن وهو كل ما استتر عن الحواس كالملائكة والشياطين، ومنه ميكروب الأمراض , والجنان – بالضم – الترس.