محمد رشيد رضا – مجلة المنار

الزكاة والتمدن

والإيمان والإنسانية

 

“إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ” [*]

وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَافِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [**]

 

للإيمان إطلاقان: أحدهما التصديق الجازم بجميع ما جاء به النبي صلى الله  عليه وسلم مع الإذعان، وآية الصدق في هذا التصديق وكونه جازمًا لا زلزال فيه  ولا اضطراب، العمل بموجبه من الكفّ والانتهاء عن المنهيات مطلقًا والإتيان  بالمأمورات بحسب الاستطاعة المعبر عنه بالتقوى “ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ  أُوْلَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ “ (الزمر: 33) ذلك بأن مَن كان جازمًا بأن عمل كذا نافع له  في العاجل أو الآجل فإنه ينبعث للإتيان به من طبعه، ومَن كان جازمًا بأن فعل كذا  ضار له في دنياه أو آخرته يكف عنه ويتقيه بوازع الفطرة، يشهد لهذا كل ما يصدر  عن الإنسان من فعل وترك في عامة أوقاته وأحواله ويستحيل أن ينبعث الإنسان  لعمل ما وهو جازم بأن فيه مضرة له ومتذكر لذلك , إلا أن يكون جازمًا أيضًا بأن  فيه منفعة تربي على المضرة وترجح عليها، ومَن جهل هذا كان جاهلاً لنفسه،  ومن جهل نفسه كان بدينه أجهل، ومن هنا جاء الإطلاق الثاني للإيمان، وهو كما في  الأخبار والآثار الصحيحة: قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان , فالاعتقاد  هو الأصل، والقول والعمل فرعان لازمان له، ويعبر عنهما بالإسلام.

بسم الله الرحمن الرحيم “ الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ  يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ “  (العنكبوت: 1-3) نعم إن الله تعالى يفتن الذين يدعون الإيمان بألسنتهم أو  توسوس لهم به أنفسهم أي يختبرهم ليعلم علم شهادة، وهو عالم الغيب والشهادة  صدقهم في دعوى الإيمان أو كذبهم فيها وليظهر ذلك الصدق أو الكذب بالعمل  ظهورًا يترتب عليه الجزاء في الدنيا والآخرة لا سيما بالنسبة لمجموع الأمة.

ابتلانا بالشهوات التي تسوق إلى ما ينافي المصلحة والمنفعة، وأشرع لنا  الطريق الذي يجب أن نسيّر فيه شهواتنا، وحدّ لنا حدودًا موافقة لمصالحنا العامة  والخاصة، ولكنها تخالف الشهوة أحيانًا، وأمرنا أن لا نتعداها، فكل ما للنفس فيه  شهوة قد تسوق إلى عمل ينافي المصالح العامة أو الخاصة، فهو فتنة وابتلاء من الله  تعالى يمتحن به عباده ليزيّل بين الصادق والكاذب في دعوى الإيمان، ويميز بين  الخبيث والطيب من اللابسين لباس المؤمنين: “ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا  أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ “ (آل عمران: 179) وقد نبهنا تعالى  على هذه الفتن لعلنا نحذر ونتبصر فقال: “ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ  أَجْرٌ عَظِيمٌ “ (التغابن: 15) وقال جل شأنه: “ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً  لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً “ (الكهف: 7) وإنما حسُن العمل بالتوفيق بين  منفعة العامل ومصلحة أمته على ما أرشد إليه الشرع دون اتباع شهوته التي تخلّ  بأحد الأمرين أو بهما معًا، وإنا نبين في هذه المقدمة وجه الفتنة بالمال من حيث  فريضة الزكاة فحسب – فوجوه الفتنة في جمعه وإنفاقه – كثيرة فنقول:

المال محبوب لأنه وسيلة إلى كل محبوب، ومِن الناس مَن يعظم شغفه  بالوسائل فيجعلها مقصودة لذاتها، ولا يستعملها فيما خلقت له، وهذا كفر بالنعمة  وإبطال للحكمة، ولذلك ورد في الصحيح: تعس عبد الدينار والدرهم، وإنما عبْده مَن  يجمعه ولو بغير حق، ويكنزه فيمنع منه كل حق، وورد أيضًا: نعم المال الصالح  للرجل الصالح، وقد فرض الله تعالى على المؤمنين أن يجعل أغنياؤهم جزءًا من  أموالهم لمواساة الفقير والمسكين العاجزين عن كسب يقوم بكفايتهما، ولتأليف القلوب  التي لم تطمئن بالإيمان كمال الاطمئنان، لا سيما من يتبعه في الهداية غيره، وفي فك  الرقاب من ذل الرق، وإطلاق الأسارى من قيود الأعداء بالفداء، ولمساعدة الغارمين  بتحمل الديون للنفقة الشرعية على أنفسهم وأهليهم، أو لإصلاح ذات البين , ولإعانة  المجاهدين الذين يتطوعون ببذل أرواحهم لحفظ الأمة وإعلاء كلمة الملة، ولمواساة  أبناء السبيل الذين ينقطعون في الأسفار عن أوطانهم ويحال بينهم وبين أموالهم،  ولمن ينصبه الإمام لجباية هذه الأموال ووضعها في مواضعها.

مساعدة هذه الأصناف بالمال من مقومات المدنية، وإهمال شأنهم خروج عن  الإنسانية، وفي القيام بهذا العمل (إيتاء الزكاة) من المنافع للأمة التي يعز المزكي  بعزها ويذل بذلها ويسعد بسعادتها ويشقى بشقائها، ما يبعث العاقل الفاضل عليه  لأجل منافعه وفوائده، ولو لم يكن مكلفًا به ممن خلقه وأفاض عليه نعمة المال من  فضله وكرمه , إلا أنها الشهوات ترجح عند سفهاء الأحلام على ما يطلبه العقل،  ويبعث عليه حب الشرف والفضيلة، فاحتاج الإنسان لسائق آخر يسوقه إلى هذا  العمل الشريف النافع، وهو سائق الدين الذي يعده على فعله بنعيم أعلى ورضوان  من الله أكبر ويوعده على تركه بالعذاب الأليم: “ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ  وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ  فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ”  (التوبة: 34-35) وإن من لا يبالي بالمنافع القومية والمصالح الملية، ولا  يكترث بالشرف والفضائل الإنسانية، ولا يُجِب داعي الحضرة الإلهية، ويبخل  بجزء من ماله على سعادته الدنيوية والأخروية – لجدير بالعذاب المهين ولعنة الله  الملائكة والناس أجمعين، ومن يقرأ أو تقرأ عليه الآيات الناطقة بأن الله جعل له  المال فتنة ليظهر به صدقه في دعوى الإيمان من كذبه، وبأن الله اشترى منه ماله  ونفسه بأن له الجنة إذا هو بذلهما في سبيل الحق، وبأن من يمنع الحق المفروض  في ماله له العذاب الأليم المشروح في الآية الكريمة، ويلاحظ مع هذا أن أعمال  الإنسان تنبعث عن اعتقاداته الجازمة بمنفعتها أو مضرة تركها، ثم يبخل بالزكاة،  وما هي إلا العشر أو ربع العشر مما أنعم الله تعالى به عليه، ثم يدّعي مع هذا كله  أنه مؤمن جازم بوعد الله تعالى ووعيده – فهو مكابر للوجدان، معتقد أن الإيمان  كلمات تدور على أطراف اللسان.

استفتِ قلبك أيها المغرور المخدوع، حاسب نفسك على أعمالك التي تأتيها كل  يوم تجد أنك تبذل المال لجلب المنافع أو درء المضار المظنونة التي لا توقن  بوقوعها إذا أنت لم تبذل فكيف يسلم العقل أن الظن يبعث على العمل ولا يبعث عليه  اليقين وهو ما تدعيه في إيمانك، ذلك شأنك في كسبك من زراعة أو تجارة أو  صناعة وفي دفع الأذى عن نفسك , وهذا شأنك في دينك وإيمانك، فهل بلغت شهوة  إمساك المال معك إلى حد انطفأ به نور الفطرة وخزيت الإنسانية، وذهبت حرمة  الدين وما جاء به من الوعد والوعيد ؟ !

استفت قلبك وراجع وجدانك وحاسب نفسك، إذا قال لك فاسق لا ثقة بشهادته:  إن هذا الطعام أو الشراب الذي تريد أن تتناوله مسموم، وإن هذه المرأة التي ترغب  مواقعتها مصابة بالزهري، أرأيتك تترك شهوتك لقوله أم لا ؟ إنك لتتركها ولو على  سبيل الاحتياط ولا تقدم عليها إلا إذا كنت جازمًا بكذبه، وأنه لا يصيبك أذى لأن  تقديم درء المفاسد على جلب المنافع من الأمور الطبيعية كما هو من الأصول  الشرعية، فكيف تجعل وعد الله ووعيده دون خبر ذلك الفاسق فلا تحتاط له ؟  وتدّعي أنك موقن بهما لا شك عندك ولا ارتياب.

استفت قلبك وراجع وجدانك ولا يحملنك ثقل وقع الحق على نفسك أن تضع  أصبعيك على أذنيك وتُسدل الستار على عينيك، فتكون ممن قال الله تعالى فيهم:  “ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ “ (البقرة: 18) بل ارجع عن شحك: “ وَمَن  يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ “ (الحشر: 9) ولا تُسلِّ نفسك بأن في هذا  الكلام تكفيرًا للمسلمين، وأن من كفّر مؤمنًا كفر، فتتوهم أن هذه النصيحة المقتبسة  من نور كتاب الله تعالى عادت على من قدمها إليك بالتكفير أو التفسيق، فينعم بالك  ويهنأ عيشك ويسلم لك مالك كله لا ينال فقير منه درهمًا ولا دينارًا، فإن بحثنا هذا  بحث في روح الدين وجسمه معًا، ومن أظهر الإذعان للإسلام لا يحكم عليه بالكفر  وإن كان شاكًّا في قلبه ومرتابًا أو تلقَّى بعض العادات التي يعملها المسلمون باسم  الدين ولم يمس الإيمان به سواد قلبه “ قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا  أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ  شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا  وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ  بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ “  (الحجرات: 14-16) فهذا القرآن يعرّف المؤمنين بصيغة الحصر بما لا ينطبق  عليك.

ذكر في تعريفهم الجهاد بالمال وقال في ضدهم: “ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لاَ  يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ “ (فصلت: 6-7) وأما حديث: من كفر مؤمنًا فقد كفر، فمعناه  أن من سمّى ما هو عليه من الإيمان أو أعماله كفرًا فقد كفر لأنه سمّى دين الله كفرًا  وقد نصّ العلماء على أن من حكم بكفر إنسان لدليل قام عنده عليه فهو متأول لا  يكفر وإن كان مخطئًا في حكمه، على أنني لا أقصد بكلامي تكفير مانع الزكاة  وإخراجه من عداد المسلمين، وإنما أبذل النصيحة الخالصة لقوم سلّموا بالإسلام  وارتضوه دينًا، ولكنهم أخذوه على غير وجهه لفساد التعليم القويم ثم إهماله، فظنوا  أن الله تعالى تعبدهم بألفاظ ورسوم لا معنى لها ولا فائدة فيها إلا مجرد الأصوات  والحركات، ورزئوا بقوم ولعوا بالتأويل وأخذ الدين من ألفاظ المصنفين وإن كانوا  من قبيل الذين قال الله فيهم: “ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ  الكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ  عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ “ (آل عمران: 78) فهؤلاء المحرّفون هم الذين  أفسدوا على العامّة دينهم وعلّموهم الاحتيال على الله تعالى فصاروا: “ يُخَادِعُونَ  اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ “ (البقرة: 9).

استفت قلبك أيها المحتال في منع الزكاة وإن أفتاك المفتون، استفت قلبك  وحكم كتاب الله تعالى في نفسك وزن به إيمانك وعملك، فإذا رجح به فأنت السعيد  وإذا ظهر لك الخُسران فاعلم أن هؤلاء المفتين الذين يعلمونك الحيل لا ينفعونك،  وتأمل قوله تعالى: “ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ  لاَ يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ  وَاللَّهُ وَلِيُّ المُتَّقِينَ “ (الجاثية: 18-19).

استفت قلبك وراجع وجدانك يتجلّ لك أن قصارى الحيلة في منع الزكاة هدم  ركن من أركان الإسلام وأصل من أصول المدنية التي تبنى عليها السعادة الإنسانية  ونسخ آيات كثيرة من كتاب الله تعالى تعدّ بالعشرات وإبطال لمثلها أو ما يزيد عليها  عددًا من الأحاديث النبوية الصحيحة وإعراض عن سيرة سلف الأمة الصالح الذين  قاتلوا مانعي الزكاة كما قاتلوا المرتدين عن الدين – كل ذلك لقول رجل يجوز عليه  الخطأ عمدًا وسهوًا زعم أن الحيلة في منع الزكاة جائزة قياسًا على الحيلة في الربا ,  وقياسه هذا باطل يضرب به وجهه لأنه إبطال للنصوص القطعية المتواترة، ولا  يقول مسلم – بل ولا عاقل ما – بجواز مثل هذا القياس الذي هو من الاجتهاد  المفيد للظن.

ولا أصدق ما يعزى إلى الإمام أبي يوسف في ذلك، وإن نقله عنه حجة  الإسلام الغزالي وقال فيه: (وهذا هو العلم الضار) لأن هذه الحيلة لا تنطبق  على قواعد علم أصول الأحكام التي يسمونها فقهًا، وإن كان لا يراعى فيها إلا ما  تعطيه ظواهر الألفاظ من غير ملاحظة الحكمة في التشريع وما يرضي الله تعالى  وما يغضبه.

الإمام مالك والإمام أحمد منعا الحيلة مطلقًا، واستدل الحنفية و الشافعية على  حل الحيلة في الربا بما صح من أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عامل خيبر عن  بيع صاع التمر الجيد بصاعين من الرديء ؛ لأنه من الربا وأمر بأن يباع الرديء  بدراهم ويشترى بها الجيد، وجعلوا هذا دليلاً على أصل مشروعية الحيلة مع أنه في  الحقيقة ليس من الحيلة ؛ إذ مقصود الشارع من منع بيع الأطعمة والأقوات بمثلها مع  التفاضل أو النسيئة أن لا يخرج بها عن الحكمة التي خلقت لأجلها وهي التغذية  (وفي معناها التداوي) بجعلها أثمانًا يتعامل بها لما في ذلك من تقييدها في الأيدي  ومنعها عن محتاجها للأكل، ولهذا نهى عن الاحتكار وشدّد فيه أيضًا، والحديث مرشد  إلى التعامل الذي لا يخل بهذه الحكمة بل يحفظها، وأما الحيلة في منع الزكاة فهي  مبطلة للحكمة في مشروعيتها وهادمة لركنها بالمرة، فلو فرضنا أن ما أرشد إليه  حديث بيع التمر يسمى حيلة ويدل على مشروعية الحيلة، فيجب أن يقيد بما لا يهدم  ركنًا إسلاميًّا ولا يخل بحكمة من حكم التشريع التي فيها صلاح العباد في المعاش  والمعاد، والزكاة من أعظمها أو أعظمها، فإن فيها قوام ثمانية طوائف من المسلمين  لا يصلح مجتمع الأمة بدونها، على أن هذا قياس في مورد النص، وهو ممنوع كما  ألمعنا آنفًا.

ثم إنني أرجع بك أيها الشحيح الممسك إلى الفطرة الإنسانية لتعلم أنك بمنع  الزكاة منحرف عن صراط الدين وعن كمال الإنسانية معًا، فإن نوع الإنسان  بمقتضى الفطرة على أربع طبقات: (الطبقة الأولى) التي يبذل أفرادها المال في  منافع قومهم وأمتهم ومواساة محتاجيهم ؛ لأن ذلك من الفضائل الإنسانية وموجبات  الشرف والجاه الصحيح، وناهيك بما حفظه التاريخ للأسخياء والأجواد من الذكر  المجيد، وما ورد في حاتم الطائي من الحديث الشريف (الطبقة الثانية) التي لا  يبذل أفرادها المال إلا في لذاتهم وشهواتهم البدنية , وأفراد هذه الطبقة إلى البهيمية  أقرب منهم إلى الإنسانية (الطبقة الثالثة) التي خرجت بالمال عن وضعه الأصلي  وهو وسيلة الحاجات وميزان المعاملات، فأحبته لذاته وأمسكه أفرادها عن المنافع  والشهوات جميعًا إلا ما لا مندوحة عنه، وهؤلاء إلى الجنون أقرب منهم إلى العقل.

وغرض الدين بمشروعية الزكاة إعانة الإنسان على تقوية داعية الفضيلة التي  تقتضيها الفطرة الإنسانية على داعية الشهوة وفساد الرأي التي عليها أهل الطبقتين  الأخريين لأن الرغبة في منفعة الأمة وحب الشرف قد يعجزان عن مقاومة الشهوة  وإصلاح الرأي الأفين، فجعل للبذل في الطرق الشريفة النافعة جنة الله ورضوانه  وتوعد على البخل والإمساك عن ذلك بنار الله وسخطه، فمن غلبت شهوته أو حمله  فساد رأيه على منع الزكاة مع هذا كله فهو بعيد عن هدي الديانة الإسلامية وسلامة  الفطرة الإنسانية، والسلام على من اتبع الهدى.

 ( (يتبع بمقال تالٍ))

________________________

 (*) (التوبة: 111).

 (**) (التوبة: 34).