كان والده على رضا يلقبه “حبيب أمه”!

يصف كيف أنها كانت أديبة مثقفة تأمره بالصواب وتنهاه عن الخطأ منذ نعومة أظافره.
الآن فقط علمت أنني ورثت رفع الصوت عند الغضب (وإن كان منتقدًا ومكروهًا) عن أبي عن جدي عن أم جدي!
يشكر كثيرا في جدتي سعاد حسن الصفدي أم شفيع، ويثني على خدمتها لأمه ثناءً جميلاً.


تشعر في أسلوبه الأدبي الرفيع برشيد رضا الإنسان المحب لوالديه المتعلق بوالدته، مع قوة تعبير وسلاسة في اللغة وكلمات تدل على عمق العلم باللغة العربية من الصِغَرِ.
يصف التصرف السليم في العزاء بما يرضي الله.


وغير ذلك كثير من العبر.
فيقول:
مصابنا بالوالدة رحمها الله تعالى
بعد ظهر اليوم السادس والعشرين من شهر ربيع الآخر (1350هـ – أكتوبر – تشرين أول 1931م)، قد احتسبنا عند الله تعالى والدتنا ومربيتنا وجرثومة أسرتنا السيدة البرة الرحيمة التقية النقية الشريفة (فاطمة أم رشيد) الحسنية الأب والأم، في منتصف العَشر التاسع من عمرها، ففقدنا بفقدها أمًّا يندر وجود مثلها في الأمهات – والأمهات أفضل ما في هذه الكائنات – حبًّا ورحمة وإخلاصًا ونصحًا وإيثارًا للأولاد على النفس مهما تكن صفاتهم وأحوالهم، إلا من أفسدت البيئة فطرتها، وذهب الجهل ومعاشرة الفاسقين أو الخرافيين بدينها، فلا حب فوق حب الأم إلا حب الله تعالى لعباده المقرَّبين، ولا رحمة تعلو رحمتها إلا رحمته عز وجل للمحسنين، بل رحمتها أكبر شُّجْنَةً من رحمته الواسعة عز وجل، فقد فقدنا من كانت عندنا ومنا وفينا أفضل المخلوقات، من لا يفضلها شيء، ولا يغني عنها شيء، إلا رحمة الله تعالى وصلواته على الصابرين، وبره وإحسانه للبارين المحسنين، ونرجو أن نكون منهم في برنا لأمنا في حياتها، وصبرنا واحتسابنا لها بعد وفاتها، ونسأله تعالى أن يجزيها عنا أفضل ما جزى أمًّا لعباده رُؤمًا لأولادها، رُؤفًا بهم، عطوفًا عليهم، محسنة لتربيتهم، أَمَةً من إمائه، مؤمنة به، موحدة له، مخلصة في عبادته، وأن يتغمدها برحمته التي يختص بها عباده المقرَّبين، ويرفعها إلى منازل الكرامة في عليين.


كانت رحمها الله تعالى صحيحة البنية سليمة من الأمراض، إلا أنه عرض لها ألم الرَّثْيَةُ (الروماتزم) في ركبتيها بعد مجيئها إلى مصر منذ بضع عشرة سنة، فعالجها الطبيب التركي الشهير شرف الدين بك – رحمهما الله تعالى – بصبغة اليود دهانًا وشربًا، فزال المرض وحجت في موسم سنة 1334 وأنا في خدمتها فلم يزعجها شيء من ركوب الشقادف (مَرَّكَبٌ أكبرُ من الهَوْدَجِ) والنزول منها، واحتملت ما أرهقنا من نوء البحر في عودتنا من الطور إلى السويس في باخرة صغيرة وبسهولة.


وصامت معنا شهر رمضان الماضي بدون تعب ولا ضعف، وكانت تفطر وتتسحر من طعامنا القوي التغذية فلا تشكو منه ثقلاً ولا طَسْيً (تُخْمَةً) ولا سوء هضم، وتصلي معنا في جماعة الأسرة، ثم تغيرت صحتها عقب عيد الفطر، واشتكت واختلف على معالجتها عدة من نُّطُسِ (حاذقي) الأطباء أشهرهم سليمان بك عزمي فخف المرض، ولكنها ضعفت بالتدريج واشتد تعبها في آخر ليلة من حياتها الشريفة الراضية المرضية، وقد صلَّتْ الفجر والظهر يوم وفاتها في وقتهما بالإيماء، ولم تقبل أن تؤخر الظهر لتجمعها مع العصر كما أفتيتها في مثل هذه الحال، وفاضت روحها في الساعة الثانية بعد الظهر.
وكانت التي تتولى خدمتها الخاصة وتمرضها في كل أيام مرضها كِنَّتها أم أولادنا، حتى أنها كانت تسهر بجانب سريرها ما دامت تعبة محتاجة إلى شيء من الخدمة وتنام بجانبه عند الحاجة. وقد قُلْتُ لأم محمد شفيع غير مرة: إن كل خدمة تؤدينها للوالدة فكأنك تؤدينها لشخصي، لأنك نائبة فيها عني، فإنني أنا الخليق بأن أقوم بذلك بكل ارتياح مهما يكن نوعه، فلا عذر لك في شيء من التقصير إلا إذا كنتُ أنا مقصرًا معك في شيء ما – وهي بحمد الله واتباعنا لهداية دينه القويم لا تشكو مني شيئًا ما – ومن فضل الله علينا جميعًا أنني لم أر منها أدنى تقصير فأرشدها إلى تلافيه، وقد قلت لها: إنني لا أشكر لك خدمة الوالدة لجنس الخدمة ونوعها، فإن هذا من التكافل المشترك في حياتنا المنزلية، وإنما أشكر لك من أعماق قلبي أنني لم أرك في شيء من هذه الخدمة متبرمة ولا ضَجِرَةً.


فهذا الارتياح النفسي لهذا العمل الشريف من الفضائل النفسية لا تكاد توجد في الكنائن (جمع كنة: زوجة الابن)، بل قلما تتحلى بها ابنة في تمريض أمها في هذا العصر الذي كثر فيه العقوق، وهضم الحقوق، فأقسَمَتْ أنها تشعر في خدمتها بارتياح من تخدم ابنة لها لا أمًّا، ولقد كانت المرحومة خيرًا لها من أمها، وأشد تحريًا لسرورها من بنتها، فلو كانت أمها معنا لما استطاعت أن تؤلف بيننا مثلها، فأنا أسجل هذا في المنار ليكون مثلاً صالحًا وأسوة حسنة للمؤمنين، وحجة على الملاحدة والمارقين والفاسقين، الذين يجهلون أن سعادة الحياة المنزلية (العائلية) من زوجية وأمومة وأبوة وأولاد لا تأوي إلا إلى بيوت المعتصمين بهداية الدين القويم، فإليها تأوي وفيها تثوي وتقيم، ولئن طاف منها طائف ببيت من بيوت الملاحدة والفاسقين أو زارته ؛ فإنما تلم به إلمامًا، ولا تلبث أن تهجره عند حدوث الحوادث الشهوانية، وانتياب الكوارث البشرية، فآداب الإسلام أرقى من آداب الإفرنج وأضمن للسعادة، وإن جهل ذلك المتفرنجون.


أيقنَّا موت الوالدة التي كنا نتبرك بوجودها، ونهتدي بإرشادها، ونستنزل رحمة الله ومثوبته ببرنا لها ودعائها لنا، ففاضت الأعين دموعًا، ورددت الصدور زفيرًا ونشيجًا، وكررت الألسنة حوقلة واسترجاعًا، واضطربت الأفئدة خفقانًا ووجيبًا، وإن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، ولا نعمل إلا بما شرعه لنا.
لم نعلن نعيها في الجرائد ولا رقاع البريد ولا أسلاك التليفون، وإنما أعلمنا حفيدها السيد محيي الدين رضا بالخبر لبعد داره عن دار المنار، وجهزناها على ملة الإسلام، وسنة رسول الله عليه أفضل السلام، وصليت عليها في رحبة الدار مع من حضر، وشيعناها إلى مقبرة جديدة في زين العابدين، فوارينا شمسها عندما توارت شمس الدنيا بالحجاب، تغمدها الله بالرحمة والرضوان.


لم نعقد لها مأتمًا، ولم نغير شيئًا من عاداتنا حدادًا عليها، وقد وصل الخبر إلى بعض جرائد الصباح التي تُطبع ليلاً فنشرته، ثم نشرته بعض جرائد المساء في اليوم التالي، فأقبل كثير من أصدقائنا المقيمين في القاهرة لتعزيتنا في الدار نهارًا وليلاً، وأرسل كثيرون منهم برقيات التعزية ورسائلها من الإسكندرية وغيرها من مدن القطر المصري ومصطافه، وكان في مقدمة المعزين بأنفسهم وببرقياتهم إخواننا العلماء، وأخص بالذكر منهم أصحاب الفضيلة شيخ الأزهر الحالي الأستاذ الشيخ محمد الأحمدي الظواهري، وشيخه السابق الأستاذ محمد مصطفى المراغي، ومفتي الديار المصرية الأستاذ الشيخ عبد المجيد سليم ، وبعض رؤساء الكليات والمدرسين في الأزهر، وبعض الوزراء وأولهم صاحب الدولة رئيسهم إسماعيل صدقي باشا، والزعماء وكبار رجال الأحزاب وفي طليعتهم صاحب الدولة مصطفى باشا النحاس رئيس الوفد المصري، ومحمد فتح الله باشا أحد كبراء الوفد ووزراء حكومته السابقة، وحسن باشا عبد الرزاق وإخوته من أركان الحزب الدستوري، ثم جاءتنا كتب التعزية من أصدقائنا المحبين المنبثين في الأقطار حتى لندن وباريس ورومية (روما) وسورية والحجاز، فنشكر لكل مُعزٍّ من قريب وبعيد فضله ولطفه، وندعو الله أن يلطف بنا وبهم، ويقينا وإياهم السوء، ويجعلنا من الصابرين على بلائه، الراضين بقضائه، الشاكرين لنعمائه.


كانت الوالدة – أحسن الله تعالى إليها – من أسلم النساء فطرة، وأزكاها نفسًا، وأطيبهن قلبًا، كانت خير الأزواج لزوجها، وخير الأمهات لأولادها، وكان حظي من حبها وعطفها أكبر من حظوظ إخوتي وأخواتي، ولكن فيما لم يحرك غيرة أحد منهم ولا سخطه، حتى كان والدي رحمه الله تعالى يلقبني (حبيب أمه) ولا أذكر أنني عصيت لها أمرًا في صغري ولا كبري.


أذكر أنني رأيت أترابي من الأطفال مرة قد خرجوا في سماء (مطر) حفاة يمشون في الوحل رافعي أثوابهم إلى ركبهم، فاشتهيت أن أقلدهم وأنا ابن بضع سنين (ما دون العشرة)، فجئت الدار فاستأذنتها في أن أخرج حافيًا وألحق بهم، فلم تأذن لي، فوقفت في عتبة الدار حافيًا ومددت إحدى رجلي إلى خارجها وقلت لها (أحطها)، قالت (لا تحطها) ، قلت (أحطها)، قالت (لا تحطها)، فكررت ذلك مرارًا، فلما لم تأذن لي رجعت، وما زلت أذكر هذا لها وتذكره لي فلم أنسه، وما أبرئ نفسي من نسيان غيره.


ولا أذكر أنها ضربتني في صغري إلا مرة واحدة، تململت من سخونة ماء الحمام وحاولت التفصي (التخلص) والهرب، فضربتني بالطاس على ظهري، وما زلت أذكِّرها بها مازحًا، وتعتذر لي عنها تلطفًا، ثم كانت أشد عناية من والدي بطلبي للعلم والاهتمام به والارتياح إلى هجرتي إلى مصر، إذ عَلِمَتْ ما لي فيها من النية الصالحة، والرجاء في التكمل بالعلم وخدمة الملة والأمة.


وكانت دقيقة الفهم، رقيقة الشعور والوجدان، تخشع لآيات الزجر والوعيد من القرآن خشوع العارفين المتدبرين، وإذا أنشدتها شيئًا من غزل الشعر الغرامي قالت: هذا فتنة، لا ينبغي اشتغال الشبان والشُوَّاب به، وقد قرأت لها قصيدة أحمد شوقي في تهنئة السلطان حسين كامل * الملك فيكم آل إسماعيلا * فلم أتجاوز حتى قالت لي: هذه مرثية لا تهنئة، فعَجِبْتُ لهذه الفطنة، وسَبْقِهَا إياي إلى هذه الفكرة. ثم قرأت لها قصيدته في تهنئة والدة الخديو (كانت تكتب هكذا) بعودتها من الآستانة التي مطلعها:
اكشفي الستر وحيي بالجبين وأرينا فلق الصبح المبين
فانتقدت هذا المطلع واستهجنته جدًّا في كلا مصراعيه: فأما الأول فلأن الستر يستعمل غالبًا في إخفاء ما يقبح إظهاره، وكشفه يستعمل في الفضيحة، فيقال :كشف الله ستر فلان، وهتكت فلانة سترها، وأما الثاني فلا يخفى وجهه، ولا يحسن كشفه.


وأذكر أنني سمعت وأنا صغير مغنيًا في قريتنا القلمون يقول بيتًا من أغنية عامية مضمونه أنه يدعو الله أن يغيب القمر ليأخذ البوسة (القبلة) ويرى قلعة حلب على أي شيء هي مبنية فحفظتها فقلتها أمامها، وقالت لي: (اسكت هذا كلام عيب إياك أن تقوله)، وإنني وأيم الحق لم أفهم مغزى هذا الإنكار الشديد إلا بعد أن صرت رجلاً كبيرًا.
وكانت على نزاهتها وأدبها في القول والفعل ذات دعابة وفكاهة وتنادر في الكلام طبعًا بلا تكلف، وكانت تتوخى أن لا يستثقل أحد منها قولاً ولا خدمة، فقلما تطلب من أولادها أو أحفادها أو كنتها شيئًا بصيغة الأمر، بل تَعرض وتُكني في الغالب، ولا تكلف أحدًا ما تستطيع هي فعله ولا تشتم خادمًا شتمًا بذيئًا على تقصير، ولكنها قد ترفع صوتها عند الغضب، وقد ورثتُ ذلك منها وهو منتقد وهو طبع كان يكرهه كل منا.


وكانت مقتصدة شديدة الحرص على كل ما في الدار، لا يهون عليها أن يضيع شيء منه، على حبها للضيافة واعتيادها إكرام الضيوف منذ صارت ربة بيت، وتحب أن يُبذل كل ما يستطاع من إكرام الضيوف وبر الإخوان، فإذا أشرنا بشيء من الألوان (أنواع الطعام) لم تجده لائقًا لقلته اقترحت الزيادة عليه، وما دعوت الأصدقاء إلى الطعام إلا ذكرتني ببعض من لم أذكره لها منهم، حتى كانت تأمرني بدعوة نسيم أفندي صيبعة للإفطار معنا في رمضان مع الصائمين الذين ندعوهم ولا سيما السوريين منهم، فأقول لها مازحًا: هو نصراني لا يصوم، فتقول: لكنه صديقك وابن بلدنا، وذوقه ذوقنا، ولا بد أن يترك الغداء بعد الظهر، أو يخففه ليقبل الأكل معكم بعد المغرب، وأنا لم أذكر لها كلمة (نصراني) إلا لأجل الصيام، فقد كان من المألوف عندها بدارنا، وإلا فهي معتادة في بلدنا على ضيافة النصارى وغيرهم، بل كان بعض أصدقاء والدي منهم يقيم عندنا أيامًا في رمضان فيفطر ويتسحر معنا.


وقد ذكرتني جريدة حضرموت – التي تصدر بسنغافورة -بمكرمة لها كنت ناسيًا لها، وهي أنه لما جاء مصر صديقي الجليل المرحوم السيد محمد بن عقيل قبل الحرب الكبرى (الحرب العالمية الأولى) ذكرت لها ذلك عندما علمتُ به ليلاً، فأمرتني أن أذهب من ساعتي تلك إلى الفندق الذي نزل فيه وأجيء به إلى الدار، وقالت: إنه لا يليق بك وهو صديقك القديم، وقد صار لك دار وأهل أن ترضى بنزوله في فنادق المسافرين – وكانت لا تعلم أن هذا معتاد في الأمصار الكبيرة – فلم يسعني إلا امتثال أمرها .


وكانت صبورًا شكورًا ، مات أربعة من بنيها وأربع من بناتها في حياتها فبكتهم البكاء الطَبَعِّي الشرعي، دموع تتحادر من العينين، ونشيج يتردد في الصدر، بلا نوح ولا ندب، ولا تغيير شيء من العادات في اللباس والأكل والشرب، ولا غير ذلك مما يسخط الرب. وأما الشكر فكان أكمل مظاهره منها رضاها من المرحوم الوالد وإطراؤه في كل أعماله على ما كان من شدته في معاملتها ومعاملتنا أحيانًا، فلم يكن في أسرتنا مثله في غضبه وشدته عفا الله عنه، وما زالت تمدحه وتثني عليه وتدعو له طول حياتها.


وقد ضارها بزوج أخرى من بنات عمومته بعد ولادتها لي – ولم يجمع أحد من أسرتنا بين زوجين غيره إلا ابن عم له – فلم ينكر هو ولا غيره منها قولاً ولا فعلاً من غيرة الضرائر على ما كان أهل ضرتها يعملون لإغضابها وإثارة غيرتها، ولكنه رحمه الله تعالى ما استطاع أن يطيل عشرة الأخرى فسرَّحها سراحًا جميلاً.
ومن أغرب آدابها أنها كانت تعد لأولادها منة عليها بأقل خدمة يؤدونها مما أوجبه الله عليهم ويعذبهم على تركه، حتى كان يثقل عليَّ هذا منها أحيانًا، وقد قلت لها مرة: لماذا تتحامين أو تستثقلين أمر أيً كان من كبيرنا وصغيرنا بما تريدين منه وأنت سيدة الجميع وصاحبة الفضل على الجميع؟ فقالت: بل أنت صاحب الفضل على الجميع. فما آَلَمَتْني بكلمة أشد على طبعي من هذه الكلمة، فقلت لها: بل أنا لولا توحيد الله تعالى لما كنت إلا عبدًا لك، وانصرفتُ موجَعًا من هذا الشعور الغريب.


وأغرب منه أنها كانت تسترقيني إذا وَجَعَتْ فأرقيها، والرقية مشروعة، ولم تكن من النساء الخرافيات، وقد ذهبت مرة مع بنتيها لرؤية جامع عمرو فأحاط بهن سدنة القبور فقلن لهم: إنما نحن متفرجات لا زائرات، فانصرفوا.
وأعد من فضل الله تعالى عليَّ أنني ورثت منها سلامة الفطرة وطيب السريرة، فلم أحمل في قلبي حقدًا على مسيء ولا حسدًا لذي نعمة، وكذا الاستعداد لذوق اللغة وحسن الفهم، وغير ذلك من أخلاقها وخلقها، كما ورثت من والدي – أكرم الله مثواهما – عزة النفس والشجاعة والنجدة،؛ وإنما أذكر هذا تنويهًا بفضل الوالدين وتحدثًا بنعم الله عز وجل، وأعظمها العلم الصحيح بالإسلام والعمل به، ثم وراثة النسب الشريف.


كنت أتمنى لو تعيش الوالدة مائة سنة أو أكثر متمتعة بالصحة، وسلامة العقل والجسد كما كانت إلى آخر رمضان الماضي، نتمتع بخدمتها وإرضاء الله برضائها، ونقتدي بأخلاقها وآدابها، ونرجو زيادة نعم الله علينا بشكرها له ودعائها لنا.
وكنت على حبي لها أخشى أن تشتد عليها الأمراض فأراها معذبة أو شاكية وَجِعَةً، وكانت أصبر على ألم النفس منها على ألم الجسد لأنها لم تتعود هذا، وقد شقت عليها الحِمْيَة في هذه الأشهر التي ضعفت فيها لما اعتادته من الترف، وكانت تتوقع أن يزول كل ما عرض لها فتعود إلى سابق صحتها، وتتساءل متى يكون هذا؟ فأذكرها بتجاوز الثمانين لكيلا تتضجر من بطء ما ترجو.


وكنت على تمني أن يطول عمرها أخشى أن أموت قبلها، لأنني أعلم أن رِزأها بي يكون أكبر المصائب عليها، إذ كنتُ قرة عينها والعزاء لها والسلوى عن جميع مصائبها، وقد كان يشق عليَّ أن أراها متعبة فلا أستطيع طول المكث معها، وأحمد الله تعالى أن حفظها في مرضها عقلاً وفهمًا وجسمًا وطهارة حسية ومعنوية – كما يليق بمبالغة الشافعية في الطهارة – حتى كانت إلى نهاية أجلها حديدة البصر، تنظم الخيوط الدقيقة في أخرات الإبر، ولكن أجل الله إذا جاء لا يُؤخَّر، ولقد عاشت طيبة وماتت طيبة فنسأله تعالى أن يجمعنا بها في دار كرامته،
ويجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم لقائه { رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ}.
المنار، م 32، ص 73 – 79، 1311هـ – 1931م.
ما بين الأقواس مني إلا التي في أصل النص.

نقلا عن موقع العلامة رشيد رضا رحمه الله على الفيسبوك